جيل Z وحكومة الديودورون والعكر على الخنونة

1 972

بوجندار____عزالدين/ المشاهد

بقلم : أذ _ أبو الاء

 

 

في هذا الوطن العجيب، صار كلّ شيء يُباع ويُشترى: الوعد، الخطاب، وحتى الحلم. حكومة أخنوش تتفنن في التجميل كأنها تُسوّق “ديودورون سياسي” يُغطي رائحة الفشل المؤسسي، والعطر الرسمي الذي تحاول به الحكومة تلطيف المشهد لا يقدر على إزالة عفن الواقع. الشعب فاق، وجيل Z قالها بصوت عالٍ: العكر ما كيصلحش للخنونة.

 

جيل جديد خرج من رحم القهر، لا يعرف لغة “سِير تنعس”، ولا يرضى بأن يُسكّت بالوعود. شبابٌ درس، وتعب، وها هو يرى البلاد تُصرف فيها الملايير على الملاعب والمهرجانات، بينما المستشفيات تئن والمدارس تصرخ والبطالة تتكاثر كالهمّ فوق القلب. جيل Z لا يُريد الخبز فقط، بل يريد الكرامة والعدالة. يريد أن يرى حكومة تُحاسَب، لا حكومة تُزيّن وجهها كل صباح بخطابات بلاغية تلمّع فشلها بمساحيق من الكلمات.

 

السياسيون في بلادنا يشبهون ممثلين في مسرحية انتهت فصولها منذ زمن، لكنهم ما زالوا يكررون نفس الدور بنفس النبرة ونفس الملابس. أحزاب شاخت، ووجوهها صارت رموزاً للملل السياسي. والنقابات؟ باعوا الماتش بصفقة مريبة. كانوا يوماً صوت العمال، فأصبحوا اليوم صدى الوزراء. لم يعودوا يدافعون عن أحد، بل يُساومون باسم الجميع. والنتيجة؟ صمتٌ مدفوع الأجر، وبيانات تبريرية تُقرأ كالنعاس.

 

أما الوزراء، فحدّث ولا حرج. تصريحاتهم صارت نِكاتاً تُروى في المقاهي. واحد يقول للمغاربة “اشكروا الله على الطماطم”، وآخر يتحدث كأن الشعب يعيش في كوكب آخر. بدل أن يسمعوا أنين الناس، يُقاضون الصحافيين الذين ينقلون الحقيقة. يا للعجب! بدل أن يُحاسَب المسؤول الذي أخطأ، يُستدعى الصحافي الذي كتب. بلد يُحاكم الكلمة، وينسى من كان سبب الوجع. هذا هو زمن الديودورون السياسي: يغطي الرائحة الكريهة مؤقتاً، لكنه لا يُطهر الجرح.

 

جيل Z لا يخاف، لأنه لم ير شيئاً يخسره. هو جيل تربى في زمن الإنترنت، يفضح بذكاء، ويوثّق بلمسة هاتف، ويكشف الزيف بسرعة البرق. لا يقرأ الصحف الرسمية لأنها صارت نشرات إعلانية، بل يصنع إعلامه بنفسه من الشارع، من الميدان، من لقطات الواقع لا من البلاغات الحكومية. جيل ذكي، لكنه مُتعب من الانتظار. ينتظر وظيفة لا تأتي، وعدالة لا تُمارَس، وبلداً يُحبّه فعلاً لا شعاراً.

 

والأحزاب العجوز ما زالت تتحدث بنفس اللغة الخشبية التي ماتت قبلهم، تتحدث عن “المصلحة العليا”، بينما جيوبهم هي العليا فعلاً. والوزراء الذين يتفاخرون بإنجازات على الورق، يعلمون أن الواقع مختلف. مدارس بلا أساتذة، مستشفيات بلا أطباء، وشباب يهاجر في قوارب لا تحمل سوى الأمل. هذي بلاد فيها الوزير يتكلم عن الإصلاح، والمواطن يفتّش عن لقمة بكرامة.

 

الصحافة بدورها لم تسلم من هذا الزمن الرديء. كل من كتب بجرأة صار هدفاً، وكل من سأل صار متهماً. قوانين الصحافة أصبحت حِبراً بلا روح، وحرية التعبير تُختبر كل يوم في قاعات المحكمة. الصحافي الذي يكتب وجعه صار يُعامَل كأنه عدو الدولة. يا عباد الله، متى صار نقل الحقيقة جريمة؟ متى صار الصوت الحر خطرًا على الوطن؟ الوطن القوي لا يخاف من السؤال، بل يخاف من الصمت. لكن يبدو أن البعض اختار أن يحكم بالصمت ويخاف من كل قلم لا يركع.

 

جيل Z ماشي متمرّد، هو فقط “فاهم اللعبة”. فاهم أن البلاد التي تُكرّم لاعبي كرة القدم أكثر من أساتذتها وأطبائها، بلاد غارقة في العكر على الخنونة. بلاد تستورد الوهم وتُصدّر شبابها في قوارب الموت. بلاد تُهدر الملايير في البهرجة، وتُقنّن الفقر بحجة “الإصلاح”. والمشكل أن كلّ هذا يُدار بوجهٍ مبتسم وكلامٍ منمّق. لكن مهما طال التجميل، فالرائحة تُفضَح في النهاية.

 

نحن اليوم أمام جيل لا يُصفّق ولا يصدّق. جيل يقولها بالفم المليان: باراكا من العكر على الخنونة، بغينا بلاد فيها المسؤول يخدم ماشي يتصوّر. جيل لا يريد “ديودورون سياسي” يُعطّر الواقع الكريه، بل يريد تنظيف المشهد السياسي في البلاد.

فليسمع أخنوش ومن معه: الوطن لا يُحكم بالمساحيق ولا بالشعارات. الوطن يُبنى بالعدل، بالصدق، وبالإصغاء للناس. أما إذا استمرّوا في العكر على الخنونة، فسيلعنهم التاريخ بعبارة قصيرة من جيل Z: كونوا صادقين، ولا تبيعونا الوهم بالعطر.

تعليق 1
  1. كريم اليوسفي محمد يقول

    تحياتي والشكر للمدير جندار عز الدين المشاهد وأستاذنا الكريم أبو آلاء كاتب مقال عجيب و عالي المستوى الرفيع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.