مفاوضات مدريد.. واشنطن تضع مسار الحل النهائي على السكة المغربية
بوجندار_____عزالدين/ المشاهد
متابعة: أبــــوالآء
نجح المغرب في كسب الرهان السياسي للجولة الأولى من مفاوضات تنزيل مضامين قرار مجلس الأمن رقم 2797، الصادر في 31 أكتوبر 2025، والمتعلق بالنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، مسجلاً تقدماً نوعياً في مسار طال انتظاره داخل أروقة الأمم المتحدة.
وجاءت نتائج لقاء مدريد، الذي انعقد أول أمس الأحد، بوساطة أمريكية وتحت إشراف المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، لتكرّس تحولاً لافتاً في مقاربة الملف، بعدما اتفقت جميع الأطراف المشاركة على اعتماد مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كإطار وحيد للنقاش، مع إسقاط باقي الطروحات من التداول.
وبناءً على هذا التطور، ستصبح المبادرة المغربية المُحيّنة، في نسختها المفصلة التي تمتد على أربعين صفحة، المرجع الوحيد المطروح على طاولة المفاوضات، سواء فيما يتعلق بالجوانب التقنية والمؤسساتية، أو بالشق القانوني وصلاحيات وهيكلة مؤسسات الحكم الذاتي المرتقب في الأقاليم الجنوبية، تحت إشراف سلطة تنفيذية جهوية ذات اختصاصات واضحة.
وفي مقابل هذا التقدم، بدا الوفد الجزائري، الذي يقوده وزير الخارجية أحمد عطاف، محاصَراً بمنطق المناورة الشكلية، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من خطاب داخلي بُني لعقود على أطروحة “تقرير المصير”، وعلى وهم كيان سياسي مفصول عن محيطه الجغرافي والتاريخي. وقد تجلى ذلك في تركيزه المفرط على المصطلحات والصياغات، خصوصاً ما يتعلق بمفهومي “الحكم الذاتي” و“تقرير المصير”.
هذا النقاش الاصطلاحي فتح مواجهة قانونية هادئة مع الجانب المغربي، تحت أنظار الخبراء الأمريكيين، الذين انحازوا بوضوح إلى التفسير المعتمد في قرارات مجلس الأمن، والتي تعتبر الحكم الذاتي أحد الأشكال المعترف بها دولياً لتجسيد حق تقرير المصير، ضمن سيادة الدول ووحدتها الترابية.
ورغم محاولات شدّ الحبل، لم يُبدِ الوفد الجزائري اعتراضاً جوهرياً على هذا المنحى، في مؤشر على إدراكه بأن مشاركته في مفاوضات مدريد جاءت باعتباره طرفاً أساسياً في النزاع، وليس مجرد “دولة ملاحِظة”، وأن عليه التفاعل مع المسار السياسي الذي ترعاه الشرعية الدولية.
ويعكس هذا “اللين النسبي” في الموقف الجزائري تحوّلاً أعمق من مجرد اجتهاد تفاوضي، إذ يبدو مرتبطاً بتوجّه سياسي جديد بدأ يتشكل عقب صدور قرار مجلس الأمن الأخير، وهو ما انعكس أيضاً في الخطاب الرسمي الجزائري، لاسيما خلال آخر ظهور إعلامي للرئيس الجزائري، الذي تجنب الخوض في ملف الصحراء أو مهاجمة المغرب بشكل مباشر.
وبعد نجاح جولة جسّ النبض في مدريد، يُرتقب أن تنتقل المفاوضات إلى واشنطن خلال شهر ماي المقبل، من أجل التوقيع على اتفاق إطار سياسي، يُفترض أن يشكل قاعدة لخارطة طريق عملية نحو تسوية نهائية للنزاع، في ظل رعاية أمريكية متقدمة.
ورغم غياب أي بيان رسمي إلى حدود الساعة، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن أي بلاغ محتمل سيكون بتوقيع أمريكي منفرد، وقد يتضمن عبارات حاسمة من قبيل “دعم غير قابل للتراجع للسيادة المغربية” و**“دعوة الأطراف للانتقال إلى مرحلة التنفيذ”**.
ملف طال عمره أكثر مما ينبغي، وتحول إلى عقدة إقليمية ذات امتدادات دولية، بات اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى الحل، شريطة الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق الاستئصال الجذري لأسبابها.