دخان النرجيلة” يحاصر شابات فلسطين: إقبال “جنوني” يثير القلق الصحي والاجتماعي

0 102

بوجندار_____عزالدين / مدير نشر

متابعة: ساره____الرغمات

 

رام الله / فلسطين.

خلف سحب الدخان الكثيفة في مقاهي المدن الفلسطينية، من رام الله إلى نابلس وصولاً إلى غزة، تتخفى ظاهرة اجتماعية أخذت في التصاعد بشكل “جنوني” خلال السنوات الأخيرة. لم يعد تدخين النرجيلة (الشيشة) حكراً على الرجال أو كبار السن، بل باتت الفتيات والنساء، وتحديداً في الفئة العمرية ما بين 16 و25 عاماً، هن الوقود الجديد لهذه الظاهرة التي تخترق البيوت والمساحات العامة على حد سواء.

تشير إحصائيات غير رسمية واستطلاعات ميدانية إلى ارتفاع ملحوظ في نسبة التدخين بين الإناث في فلسطين. وبينما تغيب الدراسات المسحية الحديثة الشاملة، إلا أن مؤشرات “اقتصاد المقاهي” تؤكد أن الفتيات الجامعيات والمراهقات يشكلن النسبة الأكبر من مرتادي أماكن تدخين النرجيلة. هذا الإقبال لم يعد يقتصر على المقاهي الفارهة، بل امتد لداخل المنازل، حيث أصبحت “الأرجيلة” جزءاً أساسياً من الجلسات النسائية اليومية.

يرى خبراء علم الاجتماع أن هذا الإقبال ليس مجرد “عادة”، بل هو نتاج تداخل معقد بين الرغبة في التحرر الاجتماعي ومحاكاة “البرستيج” الذي تروج له منصات التواصل الاجتماعي. بالنسبة لفتاة في العشرين من عمرها، قد تمثل النرجيلة وسيلة لكسر القيود التقليدية أو وسيلة “عصرية” للتسلية.

من جهة أخرى، يربط محللون نفسيون بين زيادة التدخين وبين الضغوطات السياسية والاقتصادية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني؛ حيث تجد الشابات في “نفس الأرجيلة” ملاذاً مؤقتاً للهروب من واقع البطالة أو الضغط الأكاديمي، في ظل محدودية أماكن الترفيه الأخرى.

 

طبياً، يحذر أخصائيو الأمراض الصدرية من أن “الجلسة الواحدة” للنرجيلة تعادل تدخين ما بين 40 إلى 100 سيجارة. الخطورة تكمن في أن أجساد الشابات في سن النمو (16-18 عاماً) تتأثر بشكل مضاعف بالسموم، مما يهدد بظهور أمراض مزمنة في سن مبكرة، ناهيك عن التأثيرات المباشرة على البشرة، والأسنان، والصحة الإنجابية مستقبلاً.

يطرح هذا “الزحف الدخاني” تساؤلات حادة حول دور الجهات الرقابية؛ فأين هو قانون مكافحة التدخين الفلسطيني الذي يمنع التدخين في الأماكن العامة؟ وكيف تصل “المعسل” والنرجيلة ليد قاصرات لم يتجاوزن السادسة عشرة؟

إن غياب تفعيل العقوبات على المقاهي التي تستقبل القاصرات، وضعف الحملات التوعوية الموجهة خصيصاً للإناث، ساهما في تحويل هذه الظاهرة من “سلوك فردي” إلى “عدوى جماعية” تهدد الصحة العامة.

 

إن مواجهة التمدد المتسارع لظاهرة تدخين “النرجيلة” بين الشابات في فلسطين، تتطلب مقاربة تتجاوز الحلول الأمنية أو القرارات الإدارية الجافة؛ فالأمر يستوجب غوصاً في الدوافع السوسيو-نفسية التي تدفع فتاة في مقتبل العمر إلى مقايضة سلامتها الصحية بـ “نشوة زائفة” توفرها قطعة فحم. إننا أمام اختراق قيمي وصحي يتطلب وقفة مكاشفة وطنية تضع النقاط على الحروف.

إن المسؤولية اليوم تقع بصورة مباشرة وتضامنية على عاتق ثلاث ركائز أساسية:

_ الأسرة، التي باتت تطبع مع هذه الآفة داخل الفضاء المنزلي تحت مسميات “الترفيه” أو “التحرر الزائف”.

_ المؤسسات التعليمية والتربوية، المطالبة بصياغة خطاب توعوي عصري يفكك بريق “البرستيج” الذي تروج له منصات التواصل الاجتماعي حول التدخين.

_ وزارة الصحة والجهات الرقابية، المطالبة بتفعيل القوانين الحمائية وتشدد الرقابة على نقاط البيع والمقاهي التي تستهدف القاصرات، دون مواربة أو محاباة.

ختاماً، إن التساؤل المطروح على طاولة صناع القرار في فلسطين لم يعد يتمحور حول “حرية الفرد”، بل حول “الأمن الصحي القومي”؛ فهل نحن أمام ظاهرة عابرة ستنحسر بمرور الوقت، أم أننا بصدد استنزاف صامت لصحة الأجيال القادمة سيكلف ميزانية الدولة والمجتمع أثماناً باهظة؟ إن التأخر في الإجابة الفعلية على أرض الواقع يعني ببساطة، منح الضوء الأخضر لهذا الدخان ليحجب رؤية المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.