مراكش العالمية بدون مراحيض عمومية.. “فضيحة” تحت ظلال الأسوار التاريخية
بوجندار____عزالدين/ مدير نشر
الكرامة الإنسانية و”حرمة” التاريخ.. متى تتصالح مراكش مع مراحيضها العمومية؟
بينما تقف أسوار مراكش التاريخية، شاهدةً على عظمة حضارة المرابطين والموحدين..، يواجه هذا الإرث العالمي “هجمة” صامتة ومنفرة. خلف ظلال الأسوار العتيقة، وتحديداً في “الجنابات” التي يفترض أن تكون مزارات سياحية، تحولت المساحات المظلمة وزوايا الأبراج إلى مراحيض عشوائية مفتوحة، في مشهد يسيء لجمالية “عاصمة النخيل” ويطرح تساؤلات حارقة حول غياب المرافق الصحية العمومية.
في جولة استقصائية بجوار أسوار المدينة الحمراء، لا تحتاج للكثير من الجهد لتكتشف حجم الكارثة. بقع الرطوبة والروائح الكريهة المنبعثة من قواعد الأسوار تزكم الأنوف. يضطر المارة وعابرو السبيل، وحتى بعض “المهنيين” من أصحاب العربات المجرورة، إلى قضاء حاجاتهم البيولوجية في الهواء الطلق، بعيداً عن أعين الرقباء، مستغلين نتوءات الأسوار التاريخية.تقول (ع. م)، مرشدة سياحية بالمدينة: “إنه أمر مخجل. نمر بمجموعات سياحية دولية بجانب أسوار عمرها قرون، وبدلاً من أن يستنشقوا عبق التاريخ، يضطرون لتغطية أنوفهم بسبب فضلات البشر. هذا يسيء لصورة المغرب السياحية بشكل مباشر”.
لا تتوقف الظاهرة عند مجرد “تبول عشوائي”، بل تمتد لممارسات ترتبط بغياب أماكن الطهارة أو ما يعرف بـ”الاستبراء” لدى البعض، حيث يفتقر الفضاء العام لأماكن وضوء أو مراحيض تضمن الكرامة الإنسانية. هذا النقص الحاد حوّل الفضاءات المحيطة بالمساجد القريبة من الأسوار وبوابات المدينة إلى نقاط سوداء، حيث يختلط العجز عن إيجاد بديل بالسلوكيات السلبية لبعض المواطنين.
يرى متتبعون للشأن المحلي بمراكش أن المبادرات التي قامت بها جماعة مراكش في مجال بناء مراحيض تظل “محتشمة” إلى حد الغياب. فرغم الميزانيات المرصودة والوعود الانتخابية، لا تزال المشاريع المنجزة لا تتعدى وحدات يتيمة ومتهالكة في الغالب، لا تلبي احتياجات آلاف السكان والوافدين يومياً على المدينة العتيقة السياحية الحيوية بالمغرب. يقول أحد الفاعلين الجمعويين المراكشيون: “الجماعة تتحرك ببطء شديد. بناء مرحاض أو اثنين في مدينة سياحية، هو استهزاء. غياب هذه المرافق هو الذي يدفع الناس دفعاً نحو التبول بجنابات الأسوار والخلاء، وهو ما يكرس صورة من التخلف العمراني”.
للأسف أاااااااااسي المسؤول بمراكش، أسوار تاريخية أو معالم أثرية، تحولت إلى “بديل قسري” لغياب المراحيض. “الاستبراء” وقضاء الحاجة في جنبات هذه الأسوار لم يعد سلوكاً معزولاً، بل أصبح ظاهرة يومية نتيجة انعدام المرافق المجهزة. هذا الوضع لا يسيء للمنظر العام فحسب، بل يهدد بانهيار أجزاء من هذه الأسوار بفعل التآكل الكيميائي الذي تسببه الفضلات السائلة والصلبة، وسط غياب تام لآليات المراقبة أو الزجر.
وفي الختام، لا يسعنا إلا أن نضع المرآة أمام وجه التدبير المحلي لنسأل بمرارة: كيف لمدينة أبهرت العالم بأسوارها الصامدة منذ قرون، أن تُهزم اليوم أمام “حاجات بيولوجية” بسيطة؟ إن استمرار غياب المراحيض العمومية في مدينة بحجم مراكش ليس مجرد “نقص في التجهيزات”، بل هو فضيحة تدبيرية تمس في الصميم كرامة المواطن وهيبة التاريخ.أاااااااااسي المسؤول بمدينة مراكش.. تذكر أن تلك الأسوار التي تتحول اليوم إلى “مراحيض مفتوحة” هي أمانة الأجداد وتاريخ أمة، وليست مجرد أحجار طوبية تُترك عرضة للتآكل والمهانة. إن بناء مرافق صحية تضمن “الاستبراء” والكرامة ليس “ترفا” أو “منّة”، بل هو الحد الأدنى من المسؤولية الأخلاقية والسياسية تجاه عاصمة النخيل.فهل ستتحرك “الغيرة” على مراكش لإنقاذ ما تبقى من عبق تاريخها، أم سنظل ننتظر أن تحكي الأسوار للأجيال القادمة قصصاً عن زمنٍ عزّ فيه “المرحاض” وهان فيه “السور”؟
“بين حيط الأجداد وعجز الأحفاد ضاع تاريخ الإمبراطورية المغربية”