حين يتحول العيد من فرحة إلى عبء… عيد الأضحى بين روح العبادة وضغط المجتمع
بوجندار_____عزالدين / مدير نشر
متابعة: عبدالعزيز____شطاط
مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، تتغير ملامح الشوارع والأسواق، ويبدأ الناس في التحضير لشعيرة دينية ارتبطت عبر الزمن بمعاني الإيمان والتضحية والتكافل. غير أن خلف هذا المشهد الذي يفترض أن يكون مليئًا بالطمأنينة والفرح، تختبئ قصص أخرى أكثر وجعًا، قصص أسر أنهكها الغلاء، وآباء أثقلتهم الديون، وأمهات يواجهن العجز بصمت خوفًا من نظرة المجتمع قبل الحاجة نفسها.
لقد أصبح العيد عند فئات واسعة من البسطاء امتحانًا اجتماعيًا أكثر منه مناسبة دينية. فالكثير من الأسر لم تعد تقتني الأضحية اقتناعًا بقدرة مادية أو التزامًا روحياً، بل هروبًا من كلام الناس وخشية من الإحراج أمام الأبناء والجيران. هنا يفقد العيد معناه الحقيقي، ويتحول من مناسبة للسكينة إلى موسم للضغط النفسي والقلق الاجتماعي.
في الأحياء الشعبية والقرى، يعيش كثير من الآباء صراعًا صامتًا مع الواقع. بعضهم يلجأ إلى الاقتراض، وآخرون يبيعون ما يملكون من أجل شراء أضحية قد يفوق ثمنها دخل شهر كامل، فقط حتى لا يشعر أطفالهم بالنقص، أو حتى لا يصبحوا موضوع همس داخل المجتمع. وكأن قيمة الإنسان باتت تُقاس بحجم الأضحية وسعرها، لا بما يحمله قلبه من رحمة وكرامة.
الأخطر من ذلك أن ثقافة التباهي أصبحت جزءًا من طقوس العيد عند البعض. الحديث عن “سلالة الخروف” وثمنه وعدد الكيلوغرامات لم يعد مجرد تفاصيل عابرة، بل تحول إلى شكل من أشكال الاستعراض الاجتماعي الذي يعمق الفوارق ويزيد من شعور الفقراء بالانكسار. ففي الوقت الذي يتباهى فيه البعض بصور الأضاحي وأسعارها المرتفعة، توجد أسر بالكاد تستطيع توفير الخبز والدواء وفواتير الكهرباء.
وسط كل هذا، يبرز سؤال مؤلم: هل ما زال العيد يحمل المعاني التي جاء بها الدين فعلًا؟
فجوهر الشعائر الدينية قائم على الرحمة والتيسير والتكافل، لا على إثقال الناس بما لا يطيقون. الدين لم يجعل الأضحية بابًا للإهانة أو معيارًا للمكانة الاجتماعية، بل جعلها عبادة مرتبطة بالاستطاعة والنية الصادقة.
ربما نحن اليوم بحاجة حقيقية إلى مراجعة بعض السلوكيات التي أفرغت المناسبات الدينية من بعدها الإنساني، وحولتها إلى مواسم للاستهلاك والمقارنة الاجتماعية. فالعيد الحقيقي ليس في كثرة اللحم، ولا في ارتفاع ثمن الأضحية، بل في قدرة المجتمع على حفظ كرامة الفقير، ونشر الرحمة، وإحياء روح التضامن بين الناس.
لأن العيد، في النهاية، لا يُقاس بما نذبحه… بل بما نزرعه من إنسانية في قلوب الآخرين.