حربيل” تتصدر قائمة مقاضاة الصحافة والمواطنين.. هوس “تكميم الأفواه”.
متابعة: هيئة التحرير
تتصدر جماعة حربيل بضواحي مراكش المشهد الترابي كواحدة من أكثر المؤسسات المنتخبة لجوءاً إلى القضاء لمقاضاة الصحافة والمواطنين، في خطوة تثير الكثير من علامات الاستفهام حول حدود تقبل النقد الإقليمي والمحلي، ومدى تفعيل مفهوم “الحكامة التشاركية” الذي ينص عليه الدستور المغربي.بين مطرقة الشكايات القضائية وسندان الأزمات التدبيرية المتلاحقة، يبدو أن تدبير الشأن المحلي بهذه المنطقة الحيوية بات يفضل لغة “المحاضر” على لغة “التواصل”.
بدل أن تنشغل المجالس المتعاقبة في جماعة حربيل بتفكيك المعضلات البنيوية التي تؤرق الساكنة—بدءاً من انقطاعات الماء الصالح للشرب المتكررة بدواوير المنطقة، مرواً بملفات التعمير الشائكة، ووصولاً إلى أزمات البنية التحتية والمرافق الإدارية المتردية—اختارت الرئاسة في محطات متعددة نهج خطة هجومية عنوانها الأبرز: “كمموا الأفواه”.تواتر الشكايات المرفوعة ضد الأقلام الصحفية وضد المدونين والمواطنين الذين ينقلون نبض الشارع التامنصورتي والحربيلاني، يعكس دلالة واضحة على ضيق صدر المسؤولين المحليين بالرأي الآخر. هذه الرغبة المحمومة في نقل الخلافات التدبيرية من ساحة النقاش العمومي إلى ردهات المحاكم، تؤكد عجزاً صريحاً عن نسج قنوات تواصل مؤسساتية شفافة تقدم المعلومة وتفند “الإشاعة” بالحقائق والمنجزات، لا بالتخويف القانوني.
المثير للسخرية في مشهد جماعة حربيل، هو هذا السعي الحثيث لارتداء ثوب “الضحية المستهدفة” من طرف الصحافة والمواطنين، في وقت تئن فيه الجماعة تحت وطأة تقارير رقابية ساخنة وملفات قضائية حقيقية. فالجماعة التي تسارع لمقاضاة كاتب مقال أو صاحب تدوينة انتقد غياب “الولوجيات” أو تعثر سوق نموذجي، هي نفسها الجماعة التي عاشت اهتزازات عنيفة تمثلت في توقيفات سابقة لمسؤولين وموظفين بتهم الارتشاء والابتزاز عبر الرقم الأخضر، فضلاً عن التطاحنات السياسية الداخلية والشكايات المتبادلة بين النواب و الرئاسة حول الانفراد بالقرار وهدر المال العام.
هذا التناقض يضع المجالس المنتخبة أمام مرآة الحقيقة: كيف لمؤسسة عاجزة عن ضبط بيتها الداخلي وإرضاء ساكنتها أن تدعي المثالية وتطارد كل صوت يكشف عوراتها التدبيرية؟
إن تصدّر جماعة حربيل لقائمة المؤسسات المشتكية بالصحافة والمواطنين ليس وسام فخر، بل هو مؤشر مقلق على تراجع منسوب الديمقراطية المحلية. فالصحافة المهنية الجادة لم تكن يوماً عدواً للتنمية، بل هي عين المجتمع التي ترى ما يغمضه المنتخبون، والمواطن الذي يصرخ متألماً من وطأة العطش أو التهميش يمارس حقه الدستوري في التعبير عن مغرب المواطنة والكرامة.إن الهروب إلى الأمام عبر سيل الشكايات لن يحفر قنوات الماء، ولن يصلح الطرقات، ولن يبني ثقة مفقودة بين الساكنة وممثليها. الحل يبدأ من “قاع الخابية”؛ أي من الاعتراف بالاختلالات، وفتح الأبواب الموصدة، واستبدال عقلية “المقاضاة” بثقافة “المحاسبة والإنصات”. فطريق الإصلاح يمر عبر الاستماع لشكاوي المواطنين، لا عبر تحويل المواطنين إلى مشتكى بهم.