“كـــاري حــنكو”
بقلم: أبـــوالاء
إذا أردت أن ترى معنى العجائب في المشهد السياسي والإعلامي والتحليلي في هذا الوطن، فما عليك إلا أن تتابع حروب «الوكالة» التي يخوضها بعض من يسحبون أنفسهم على الجسم الصحفي والإعلامي!
سياسيون أبانوا عن فشل ذريع، وأُعفوا من مناصبهم الحكومية في أول تعديل، وتسببوا في خنق الجماعات التي ترأسوها، وتعطيل عجلة التنمية فيها، حتى تركوها تئن تحت وطأة التهميش ، وكأنها تعيش خارج الزمن.
هؤلاء، بعدما وجدوا أنفسهم خارج حسابات الثقة الشعبية، ومطرودين من دائرة التأثير، بدل أن يقدموا حسابًا ويعتذروا للناس، اختاروا ركوب الموجة، وتحويل معاركهم الهوجاء نحو المؤسسات الإعلامية الوطنية وأسماء صحفية بارزة ، لعلهم يحصدون بعض «البوز»، وينقذون ما تبقى من حضور سياسي آخذ في الأفول!
لكن الكارثة الحقيقية، والمصيبة العظمى، ليست في سياسي فاشل يبحث عن شماعة يعلق عليها إخفاقاته، بل في أشباه الصحفيين الذين تطوعوا ليكونوا «كاري حنكو»، بالمعنى الدارج القح.
تجدهم يرتضون لأنفسهم دور الخادم المطيع، ويضعون أقلامهم في خدمة هذا المسؤول أو ذاك السياسي، ليجلدوا زملاءهم ومؤسساتهم، مقابل دريهمات معدودة أو “لحس الكابَّا”
كيف يعقل أن يتصرف «صحفي» بهذه الصورة، وأن يتحول القلم الذي يفترض أن يكون سلطة رقابة إلى أداة لتصفية الحسابات؟
انظروا إلى مهنة المحاماة، مثلًا، حيث تحكمها تقاليد راسخة وأعراف مهنية تحرص على صون كرامة المهنة واحترام الزمالة؛ بينما ترى بعض المحسوبين على الإعلام يستلون أقلامهم عند أول فرصة، وينقضّون على زملائهم طعنًا وتجريحًا، إرضاءً لسياسي فشل في أكثر من محطة.
إن المعركة القائمة والمواجهة المشتعلة اليوم بين بعض السياسيين ومؤسسات صحفية وإعلامية برمتها تعرّي هذا الواقع بوضوح. فدخول بعض الأقلام والمنابر على الخط، للنيل من زميل لهم في الحرفة مجاملة لهذا السياسي أو ذاك المسؤول، ليس سوى انتهاك صارخ لقواعد المهنة وأخلاقياتها.
الصحافة ليست بندقية للإيجار، والقلم المهني ليس أداةً للاستعمال السياسي عند الحاجة. والجسم الصحفي، مهما اختلفت مواقفه ومدارسه، يجب أن يظل نائيًا بنفسه عن أن يتحول إلى مسرح لتصفية الحسابات السياسية، أو إلى أداة يحركها الساسة لاستكمال صراعاتهم الشخصية والانتخابية”ولي بغا يصبن حوايجو يكحز لهيه”.
مبدأنا واضح وراسخ لا يتزعزع: الدفاع عن شرف المهنة، ورفض تسخير الصحافة لخدمة أجندات السياسيين، واجب على كل إعلامي حر.
لن نسمح لأي سياسي، كيفما كان وزنه أو تاريخه، بأن يجعل من الصحافة مطية لتصفية حساباته، أو أن يستغل الخلافات المهنية بين الإعلاميين ليأكل الثوم بأفواههم.
ونقولها بوضوح لكل إعلامي يرتضي اليوم أن يمارس جلد زملائه نيابة عن بعض أصحاب النفوذ السياسي: استفق من غفلتك!
فاليوم تُستغل لتصفية الحساب مع زميلك أو مؤسسة إعلامية جارة، وغدًا، حين تنتهي صلاحيتك وتُستوفى خدماتك، قد تجد نفسك أنت أيضًا في مرمى السهام التي ساهمت في شحذها.
ونصيحة «خفيفة ظريفة» لهؤلاء السياسيين، وللأقلام التي تدور في فلكهم: الشارع المغربي لم يعد يشتري الوهم، ولا تنطلي عليه بسهولة ضوضاء «البوز». أصلحوا أولًا ما تركتموه من جماعات ومؤسسات تعاني من التهميش، وقدموا جرد حساب عن سنوات التدبير، وواجهوا أسئلة الناس، بدل ترحيل معارككم الخاسرة إلى الجسم الصحفي.
فالصحافة الحرة والشريفة ليست حائطًا قصيرًا يُركب، والأقلام الحرة لن تكون يومًا حطبًا في أفران صراعاتكم السياسية والانتخابية.
راه اللي كاري حنكو كينزل رخيص… والشفافية وشرف المهنة هما ساس الثقة!