المال السايب كيعلم السرقة
بقلم: أمال _________لقرافي.
إذا أردت أن تفهم السر العجيب وراء “الجلطة” التي تصيب المواطن المغربي أمام شبابيك بعض الإدارات العمومية، فما عليك إلا أن تقف في الطابور منتظراً ورقة بسيطة، لتصطدم بالعبارة الشهيرة التي حفظناها جميعاً: “الموظف ما كاينش، رجع غدا، راه خرج يقضي شي غرض!”. هنا تحديداً تدرك أنك أمام عاهة إدارية مستديمة اسمها “الموظف الشبح”؛ ذلك الكائن الأسطوري الذي لا تراه العين المجردة طوال السنة، لكنه يظهر بقدرة قادر نهاية كل شهر أمام الصراف الآلي لينطبق عليه المثل القائل: “ياكل الغلة ويسب الملة!”.
المشكلة ليست فقط في موظف عديم الضمير يتقاضى أجراً من المال العام دون أن يحرك ساكناً أو يقدم خطوة واحدة للمرفق العمومي، بل في منظومة إدارية كاملة ارتضت أن تغمض عينيها وتمارس سياسة “عين ميكة” بمنطق “خليها على الله” وما بغينا مشاكل مع حد”.
والمواطن البسيط، الذي يتأخر عن عمله ويدفع من أعصابه وجيبه، هو من يؤدي فاتورة هذا التسيب؛ فكيف يستقيم أن يقف المواطن المقهور في الحر والزحام، بينما “صاحبنا” استحل الأجر والراحة، وصار يعتبر المنصب العمومي “ريعاً أبدياً” لا يحق لأحد أن يسائله عنه؟
إن محاربة هذه الظاهرة المستفزة لا تحتاج إلى معجزات ولا إلى خطابات بلاتوهات، بل تتطلب الإرادة والصرامة الإدارية: من رقمنة إجبارية لنظام الحضور والغياب، وإجراء افتحاص دوري وصارم للموارد البشرية لمعرفة من يعمل فعلياً ومن يلعب “الداما” في المقاهي، وصولاً إلى التفعيل الحقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ بحيث يُحاسب الموظف الغائب، ويُجر المسؤول المباشر الذي يتستر عليه ويوقع له أوراق الحضور بـ “الجميل”. فالمال العام ليس “فلوس سايبة”، والمرفق العمومي ليس ملكاً خاصاً لأحد يورثه لمن يشاء.
ونصيحة “خفيفة ظريفة” للقائمين على تدبير الإدارة العمومية: المواطن لم يعد يحتمل الشفوي أو الحملات الموسمية التي تستمر أسبوعاً ثم تختفي؛ الموظف العمومي له حقوق مقدسة، نعم، ولكن عليه واجبات أقدس. ومن يتخلص من جيب الشعب، عليه أن يخدم الشعب بشرف وأمانة، أما من يعتقد أن الإدارة “ضيعة خاصة” يتقاضى منها الأجر وينام في بيته، فليعلم أن قطار الإصلاح يجب أن يدوس على هذه السلوكيات؛ لأن كرامة المواطن وحرمة المال العام خطان أحمران… والشفافية هي ساس الإدارة الحقيقية!