الحكومة بطعم “نون النسوة”
بقلم________أبـــوالآء.
في السياسة، كما في الحياة، أحياناً لا يحتاج المواطن إلى كثير من الشرح حتى يفهم أن شيئاً ما قد تغيّر. يكفي أن ينظر إلى المشهد من بعيد، ثم يقترب قليلاً، فيكتشف أن الصناديق قالت كلمتها، وأن خريطة سياسية جديدة بدأت تتشكل.
انتخابات 23 شتنبر 2026 لم تكن مجرد موعد انتخابي عابر. نتائجها وضعت حزب الأصالة والمعاصرة في صدارة مجلس النواب بـ97 مقعداً، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً والاستقلال بـ65 مقعداً، فيما توزعت باقي المقاعد على أحزاب متعددة، ليتقاسم الجميع “الديسير” المتبقي تحت قبة البرلمان.
وبعد أيام قليلة، دخل المغرب محطة سياسية غير مسبوقة بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة، لتكون أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المملكة. صفّق الجميع، وتبادل القوم التهاني.. ولكن هنا بالضبط، يا سادة، تبدأ الحكاية الحقيقية!
فالجلوس على كرسي رئاسة الحكومة ليس مثل الجلوس في “سداري” الصالون؛ كتمسّك جهاز التحكم وتبدأ في تقليب القنوات! التاريخ السياسي لا يُكتب بالصور الرسمية وحدها، ولا بالابتسامات الأصفرارية أمام الكاميرات، ولا بعدد النساء والرجال الذين سيجلسون حول طاولة المجلس الحكومي. التاريخ يُكتب هناك، في العمق: في المستشفى، والمدرسة، والإدارة، والسوق حيث الأسعار “طايرة في السماء”، وفي جيب المواطن الذي يقلب دراهمه ليعرف ببساطة: ماذا سيتغير في حياته؟ أم أنه سيستمر في “التمشيش على الخاوي”؟
لا نريد أن نستعجل الحكم على السيدة المنصوري في يومها الأول، فحشومة أن نعطي نقطة لتلميذ قبل أن يدخل القسم ويكتب “بسم الله”. لكن العين المفتوحة تستطيع أن تسأل منذ الآن: هل نحن أمام تغيير حقيقي في طريقة تدبير الدولة والاقتصاد والخدمات العمومية، أم أننا فقط غيّرنا “الكسوة” والإطار، وبقيت نفس “الجلابة” بنفس المشاكل؟
السيدة فاطمة الزهراء المنصوري تدخل هذه التجربة وهي تحمل رصيداً سياسياً وتنفيذياً، بعدما تولت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير، وراكمت تجربة في تدبير الشأن المحلي “بعاصمة النخيل” مراكش. لكن رئاسة الحكومة شيء آخر تماماً؛ فـ”عمارة” قطاع أو مدينة ليست هي تدبير حكومة كاملة بكل تناقضاتها وأحزابها وتوازناتها.
المغاربة لا ينتظرون حكومة مليئة بـ”النجوم” كأنها فريق كرة قدم، بل ينتظرون حكومة تعرف أين تضع قدمها، ومن يفعل ماذا، ومتى تظهر النتائج. فالمرحلة المقبلة لا تحتمل شعار “بلاتي نطلعوا البراد ونفكروا”. هناك ضغط رهيب على القدرة الشرائية، وانتظارات حارقة في الصحة والتعليم، واستحقاقات كبرى على رأسها أوراش كأس العالم 2030 التي تأتي مسرعة.
ثم هناك ملف لا يمكن وضعه في آخر الطابور، وهو ملف “الثقة”. والثقة لا تُبنى بالبلاغات المقعّرة والتصريحات الفضفاضة، وإنما بالإنصات والوضوح في الميدان. وهنا سيكون السؤال الأصعب أمام المنصوري: هل تستطيع الحكومة الجديدة أن تتعلم من أخطاء التجربة السابقة، أم سنقضي خمس سنوات أخرى في شرح “علاش ما قدرناش نديروا”؟
الأصالة والمعاصرة فاز بالمرتبة الأولى، لكنه لم يحصل على أغلبية مريحة تتيح له الحكم بمفرده. وهذا يعني أنه سيتجه اضطرارياً إلى منطق التحالفات. وهنا مربط الفرس: هل سنرى وزراء كفاءة وقدرة على الإنجاز، أم سنعود إلى لعبة “عطيني نعطيك” وتقاسم الكعكة الحزبية؟
المنصوري أكدت عقب تعيينها أن العمل سيبدأ من اليوم لاقتراح حكومة في مستوى الانتظارات. جميل جداً.. لكن المواطن المغربي “شبع” من كلمة “سنفعل”، ولهفته اليوم أن يرى أثر “فعلنا”. يريد مستشفى يداوي، ومدرسة تُقرّي، وإدارة لا تجعل المواطن يشعر أنه يركض في “ماراثون” للحصول على ورقة بسيطة.
أما حزب “البام”، فقد انتقل اليوم من “بلاطواللسان ما فيه عظم” إلى كرسي المسؤولية الذي يكون فيه الحساب بـ”الفرنك والدرهم”. المعارضة أسهل شيء فيها هو أن تقول: “كان يجب أن تفعلوا”، أما الحكومة فعليها أن تنجز ثم تقول بوضوح: “ها ما فعلنا”.
سنرى أشنو غادي تديري يا لالة المنصوري.. وبلا عين ميكة!