مستنقع “تيك توك”: عندما تصبح الأخلاق ثمنًا لـ”الثراء السريع”!
متابعة: بوجندار______ عزالدين.
غياب رقابة الأولياء.. كيف تحول “تيك توك” إلى مصيدة للقيم؟
في زمن تلاشت فيه الحدود بين الواقع والافتراض، باتت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها منصة «تيك توك»، تطرح علامات استفهام كبرى حول طبيعة “النجاح المعاصر” ومصادر الثراء المفاجئ. لقد تحولت هذه الشاشة الصغيرة إلى نافذة تطل منها نماذج اجتماعية غريبة، تروّج لثقافة “الربح السريع” دون جهد أو رصيد معرفي، مما يضع القيم المجتمعية والتربوية في عين العاصفة، ويفرض على الأسر والمؤسسات دقا ناقوس الخطر.
المتأمل في فضاء هذه المنصة يصطدم بيوميات باذخة تُعرض على المباشر؛ فتيات وشباب في مقتبل العمر وسن العشرين، يعيشون حياة مرفهة، يتنقلون بين الفنادق الفاخرة، ويرتدون ملابس ومجوهرات باهظة الثمن، ويسافرون بانتظام، كل ذلك دون أدنى مؤشر على وجود مصادر دخل واضحة أو مسارات مهنية و أكاديمية ملموسة تبرر هذا البذخ الفاحش. هذا التناقض الصارخ يدفع الخبراء في علم الاجتماع والاقتصاد الرقمي إلى التساؤل: هل ما يُقدّم في هذه الفضاءات هو فعلاً “قصص نجاح” أم أنه واجهة تخفي وراءها ممارسات ملتوية تفتقر للمشروعية الأخلاقية؟
يرى الكثير من المحللين أن هذه الظاهرة لا يمكن فصلها عن سياقات الاستغلال التجاري والنفسي، حيث يتم توظيف الفئات الهشة في صناعة محتوى هابط بهدف جلب “المشاهدات” وتحقيق عوائد مالية سريعة، بعيداً عن الرقابة الأخلاقية والقانونية. ولعل أخطر ما في الأمر، هو تلك الصدمة الاجتماعية التي تصيب المتلقي، خاصة الأطفال والشباب، الذين يتم شحن عقولهم بنماذج مشوهة تجعل من “الثراء السريع” غاية تبرر أي وسيلة، مما يهدد بنسف قيم العصامية، والعمل الجاد، والتحصيل العلمي.
ومع ذلك، فإن تفكيك هذه الظاهرة ونقدها اللاذع لا يعني بأي حال من الأحوال تعميم الاتهامات جزافاً على جميع صناع المحتوى أو مستخدمي المنصة؛ فهناك دوماً استثناءات لمنصات تقدم محتوى هادفاً ومحترماً. لكن الحديث هنا ينصب بالأساس على “الظاهرة المنفلتة” التي أصبحت تفرض نفسها كأمر واقع، مستغلة غياب الرقابة الصارمة.أمام هذا الوضع المقلق، لم يعد مقبولاً من الأولياء وأولياء الأمور اتخاذ موقف المتفرج أو ممارسة “التجاهل الإرادي” للتغيرات المفاجئة في سلوكيات أبنائهم أو مصادر أموالهم الحقيقية.
إن المسؤولية المشتركة تقتضي من العائلات رفع منسوب اليقظة والمتابعة والانتباه؛ كما تضع الدول، لا سيما في المنطقتين العربية والأفريقية، أمام مسؤولية سيادية وتشريعية تتجلى في ضرورة تشديد المراقبة الرقمية، وحجب كل ما يمس بالآداب العامة أو يخالف الضوابط الأخلاقية والقانونية لحماية الهوية الثقافية والأمن القيمي للأجيال الصاعدة.
في نهاية المطاف، إن ما وصل إليه “شباب المغرب التيك توكي” من لهاث وراء البذخ الزائف ليس نتاج صدفة، بل هو ثمرة مريرة لثلاثية التقصير: أسرة استقالت من أدوارها الرقابية وغضت الطرف عن مصادر أموال أبنائها، ومدرسة تراجع دورها التربوي في بناء الوعي، ومؤسسات وصية تأخرت في فرض سيادتها الرقمية وتشريعاتها الحمائية.
إن إنقاذ الجيل الصاعد من مستنقع “الوهم الرقمي” يسائل اليوم ضمير الجميع؛ فإما رادع قانوني وأخلاقي حازم يعيد الأمور إلى نصابها، أو الاستسلام لواقع تذوب فيه قيم المجتمع على عتبات “المشاهدات واللايكات”.