حافلات العذاب بين تامنصورت ومراكش.. معاناة يومية تتجاوز سنوات الانتظار
متابعة : عبدالعزيز_____شطاط.
لم تعد معاناة النقل الحضري بين تامنصورت ومراكش مجرد شكايات متفرقة أو احتجاجات مرتبطة بفترات الذروة، بل تحولت إلى إشكال يومي يؤرق آلاف المواطنين، الذين يجدون أنفسهم مضطرين إلى خوض رحلة شاقة ومتكررة من أجل الوصول إلى مقرات عملهم أو مؤسساتهم التعليمية أو قضاء أغراضهم الإدارية.
فمع الساعات الأولى من كل صباح، تعود المشاهد نفسها إلى محطات تامنصورت، حيث طوابير من المواطنين تنتظر وصول الحافلات، وسط اكتظاظ كبير لا يعكس حجم الطلب المتزايد على هذا الخط الحيوي الذي يربط المدينة بمراكش.
وبالنسبة إلى العديد من العمال والموظفين والطلبة، لم يعد التنقل مجرد وسيلة للوصول إلى الوجهة، وإنما أصبح سباقاً يومياً مع الزمن، خصوصاً خلال ساعات الذروة، حين تتضاعف أعداد المسافرين وتصبح الحافلات غير قادرة، وفق إفادات عدد من المرتفقين، على استيعاب جميع الراغبين في التنقل.
وتشير شكايات مواطنين إلى أن بعض الحافلات التي تشتغل على الخط تعاني من تقادم واضح، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى ملاءمة الأسطول الحالي لحجم الطلب وانتظارات ساكنة تامنصورت ومنطقة حربيل، خصوصاً في ظل الحديث عن دخول شركة جديدة على خط تدبير النقل الحضري.
وكانت الساكنة تأمل أن يشكل تغيير الشركة وتطور منظومة التدبير مناسبة لتحسين جودة الخدمة وتجديد الأسطول والرفع من عدد الرحلات، غير أن استمرار مظاهر الاكتظاظ والانتظار والحافلات القديمة، بحسب ما يعبر عنه عدد من المواطنين، يجعل الأسئلة حول واقع النقل وفعالية الحلول المعتمدة مطروحة بإلحاح.
المواطن، في نهاية المطاف، لا يطالب بخدمة استثنائية، وإنما يبحث عن وسيلة نقل تحترم كرامته وتصل في وقت معقول، وتوفر شروطاً مقبولة من السلامة والراحة، وتمكنه من الوصول إلى وجهته دون أن يظل رهيناً للازدحام والتأخر.
وتزداد حدة المعاناة خلال ساعات الذروة، حيث يجد بعض المواطنين أنفسهم أمام حافلات مكتظة، بينما قد لا يتمكن آخرون من الصعود بسبب امتلائها، فيضطرون إلى انتظار حافلة أخرى أو البحث عن وسيلة بديلة، وهو ما قد يؤدي إلى التأخر عن العمل أو الدراسة أو مواعيد يصعب تعويضها.
وتنعكس هذه الوضعية بشكل مباشر على فئات واسعة من المواطنين، خاصة العمال والعاملات الذين يتوجهون يومياً إلى مقرات عملهم بمراكش، والطلبة الذين يرتبط مسارهم الدراسي بمواعيد محددة، والموظفين الذين لا تسمح لهم طبيعة عملهم بالتأخر المتكرر.
وفي الجهة المقابلة، لا تبدو سيارات الأجرة قادرة دائماً على سد الخصاص، خصوصاً خلال أوقات الذروة، حيث يرتفع الطلب بشكل كبير ويضطر المواطنون إلى الانتظار لفترات طويلة من أجل الحصول على وسيلة نقل.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام خيارات محدودة: انتظار حافلة مكتظة، أو البحث عن سيارة أجرة قد لا تكون متاحة في الوقت المناسب، أو اللجوء إلى وسيلة نقل خاصة لا تتوفر إمكاناتها لدى جميع الأسر.
وتتجاوز تداعيات أزمة النقل الجانب المرتبط بالراحة، لتلامس جوانب اجتماعية واقتصادية أكثر حساسية، خصوصاً عندما يتحول التأخر المتكرر إلى مصدر قلق بالنسبة للعامل أو الموظف أو الطالب.
وفي ظل استمرار هذه الوضعية، يبرز دور المنتخبين المحليين في الدفاع عن مصالح الساكنة والترافع لدى الجهات المختصة، خاصة أن تدبير النقل الحضري يرتبط بعدد من المتدخلين ولا تتحمل الجماعة وحدها مسؤولية تدبيره.
ومن هذا المنطلق، تطرح ساكنة تامنصورت ومنطقة حربيل، وفق ما تعبر عنه شريحة من المواطنين، أسئلة مشروعة حول حجم الترافع الذي تم القيام به لمعالجة هذا الملف، وما إذا كانت هناك مراسلات واجتماعات ومقترحات عملية جرى تقديمها للجهات المعنية، وما هي النتائج التي تحققت فعلياً على أرض الواقع.
كما يطرح المواطنون هذه الأسئلة على المنتخبين المحليين، وعلى رأسهم رئيس جماعة حربيل رضوان عمار، باعتباره مسؤولاً منتخباً عن تدبير الشأن المحلي وتمثيل مصالح الساكنة، مطالبين بتوضيح ما تم القيام به من أجل الدفع نحو إيجاد حلول لهذا الملف الذي أصبح يؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية لآلاف المواطنين.
فالساكنة، بحسب تعبير عدد من المواطنين، لم تعد بحاجة إلى مزيد من الوعود أو التصريحات، وإنما تنتظر إجراءات ملموسة ونتائج يمكن ملاحظتها في المحطات وعلى مستوى عدد الحافلات وجودة الخدمة واحترام مواقيت النقل.
كما أن طول مدة الأزمة يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مشكلة ظرفية، خصوصاً أن شكايات المواطنين ظلت تتكرر على مدى سنوات، بينما بقيت الحاجة إلى منظومة نقل أكثر انتظاماً وجودة قائمة.
وفي هذا السياق، تناشد ساكنة تامنصورت ومنطقة حربيل والي جهة مراكش-آسفي وعامل عمالة مراكش، كل في حدود اختصاصاته، التدخل للوقوف على واقع النقل الحضري بالمنطقة، والاستماع إلى شكايات المواطنين، والعمل مع مختلف المتدخلين من أجل إيجاد حلول عملية ومستعجلة تستجيب لحجم الإشكال.
فالحق في التنقل بالنسبة إلى المواطن ليس ترفاً، وإنما يرتبط بشكل مباشر بحقوق أخرى، من بينها الوصول إلى العمل والتعليم وقضاء المصالح في ظروف تحفظ الكرامة والوقت والسلامة.
وما تطالب به ساكنة تامنصورت، في نهاية المطاف، يبدو واضحاً وبسيطاً: حافلات في حالة جيدة، عدد كافٍ من الرحلات، احترام المحطات والمواقيت، معالجة الاكتظاظ خلال ساعات الذروة، وإيجاد حلول عملية لمشكل سيارات الأجرة.
لقد طال انتظار المواطنين، وتكررت الشكايات، وتعددت الوعود، فيما لا يزال المواطن يجد نفسه، كل صباح، أمام السؤال نفسه: كيف سيصل إلى مراكش في الوقت المناسب؟
إن تامنصورت لا تبحث عن امتيازات، وإنما عن خدمة نقل عمومي تحفظ كرامة المواطن وتستجيب لحاجياته اليومية.
فحين يصبح الوصول إلى العمل أو الدراسة معركة يومية، فإن أزمة النقل لم تعد مجرد مشكلة في الحافلات، وإنما أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بجودة حياة المواطن ومستقبل أسر بأكملها.
ويبقى السؤال الذي تنتظر ساكنة تامنصورت وحربيل جواباً عملياً عنه: إلى متى سيظل المواطن يدفع ثمن أزمة النقل؟