قانون المسطرة المدنية الجديد: هل تحمي المادة 77 حقوق المتقاضين أم تعرقلها؟
بقلم: الأستاذ سعد كنزي، محامٍ بهيئة الدار البيضاء.
يقف الممارس القانوني اليوم أمام مشهد إجرائي تحولي يثير الكثير من التساؤلات المشروعة، وذلك مع دخول المقتضيات الجديدة لقانون المسطرة المدنية حيز التنفيذ، ولا سيما المادة 77 منه، التي شُحنت برغبة مشرّع يسعى حثيثاً نحو رقمنة العدالة وتجويد الإجراءات وتحديث عمل المحاكم.
غير أن هذه الغاية النبيلة، حين الاصطدام بواقع الممارسة العملية اليومية في ردهات المحاكم، أفرزت إشكالاً مسطرياً عميقاً بات يهدد أصل الحق في التقاضي، ويتعلق الأمر بالإلزامية الصارمة للإدلاء بالبريد الإلكتروني للشخص الاعتباري أو الشركة المدعى عليها كشرط أساسي لتقييد المقال الافتتاحي وتفادي عقوبة عدم القبول.
إن المشرع، حين وضع هذا المقتضى ضمن البيانات الإلزامية التي يترتب على غيابها بطلان أو عدم قبول الدعوى، افترض وجود بيئة رقمية متكاملة وسلسة تتيح للمتقاضين الوصول إلى المعطيات الرقمية لأغيارهم بجهة من السهولة واليسر، غير أن الواقع الميداني يبصم على عكس ذلك تماماً؛ إذ يجد المحامي نفسه والمتقاضي معه أمام شرط شبه تعجيزي يخرق التوازن المفترض بين طرفي النزاع.
فالمدعي، سواء كان أجيراً يطالب بحقوقه العمالية، أو مواطناً متضرراً من فعل ضار لشركة، لا يملك أي سلطة أو وسيلة قانونية أو واقعية لإجبار الشركة المدعى عليها على الإفصاح عن بريدها الإلكتروني الرسمي، خاصة في ظل غياب قاعدة بيانات إلكترونية موحدة ومحيّنة ومتاحة للعموم تضم السجلات البريدية لكافة الشركات المقيدة بالسجل التجاري بالمملكة.
إن التفتيش في وثائق السجل التجاري التقليدية، كالنموذج السابع، لا يسفر دائماً عن وجود بريد إلكتروني مفعّل أو دقيق، بل إن كثيراً من الشركات تعمد، إما عن جهل أو عن حسن أو سوء نية، إلى إغفال تدوين معطياتها الرقمية لتفادي التبليغات القضائية، مما يفتح الباب واسعاً أمام ظاهرة التملص والتحايل الإجرائي.
ويتحول هذا الشرط من مجرد شكلية تنظيمية للولوج إلى المحكمة الرقمية إلى عقبة كأداء تحرم المتقاضي من ممارسة حقه الدستوري المنصوص عليه في الفصل 118 من الدستور، والذي يضمن حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه المشروعة.
وما يزيد الأمر تعقيداً هو الشطط في الممارسة والتطبيق لدى بعض كتابات الضبط أو القضاة الذين يميلون إلى الحرفية الجافة في قراءة النص، فيعمدون إلى التصريح بعدم قبول المقالات لمجرد غياب هذا البيان، ناهيك عن الإرباك الناجم عن مرحلة الإنذار بتصحيح المسطرة؛ إذ كيف يستطيع المدعي تدارك النقص وتصحيح المسطرة داخل الأجل الممنوح له إذا كان المطلوب منه هو إحضار معلومة تدخل في نطاق السرية أو الخصوصية الذاتية لخصمه؟
إن هذا الوضع أحدث شرخاً بين فلسفة العدالة الإجرائية التي تقوم على تيسير الولوج إلى القضاء وحماية أصل الحق، وبين الشكليات الرقمية المستحدثة التي أضحت تُمارَس أحياناً كقطع طريق أمام المتقاضين.
وأمام هذا المأزق العملي، تعالت الأصوات المهنية والفقهية للبحث عن قراءة مقاصدية متوازنة تنقذ النص من جموده وتصون حقوق الأطراف، وهو ما تجسد في بعض التوجيهات والرؤى الاستئنافية التي حاولت توجيه العمل القضائي نحو جعل جزاء عدم القبول يقتصر حصراً على بيانات المدعي ومحاميه باعتبارهما المكلفين بالتعريف بأنفسهما، مع الاكتفاء بالنسبة للشركة المدعى عليها بالبيانات المتاحة كالمقر الاجتماعي والعنوان والسجل التجاري، وقبول عبارات من قبيل «غير متوفر» أو «تعذر الحصول عليه» دون ترتيب أثر الرفض.
غير أن هذه الحلول الترقيعية والاجتهادات المنفردة، رغم أهميتها في التخفيف من حدة الأزمة، تظل قاصرة عن توفير الأمن القضائي الشامل ما لم يرافقها ربط إلكتروني مباشر وتكامل بين قواعد بيانات وزارة العدل والمؤسسات المشرفة على السجل التجاري والاستثمار، أو صدور عمل قضائي توحيدي من محكمة النقض يضع حداً لتضارب المساطر بين مختلف الدوائر القضائية بالمملكة، بما يضمن بقاء الشكليات الإجرائية خادمة للحق وميسرة له، لا سيفاً مسلطاً على رقاب المتقاضين.