سوق الجيل الجديد بتامنصورت… مشروع يعيد للباعة كرامتهم وللشوارع نظامها

0 36

متابعة: بوجندار______ عزالدين.

 

بعد سنوات من المعاناة مع ظاهرة الباعة المتجولين، تلوح في الأفق بوادر انفراج اجتماعي وتنموي، مع مشروع سوق من الجيل الجديد يُرتقب أن يشكل محطة مهمة في مسار تنظيم التجارة وتحسين ظروف العيش والعمل بتامنصورت والدواوير المجاورة.

 

 

لم تعد حكاية الباعة المتجولين بتامنصورت مجرد مشهد يومي يتكرر في الشوارع والأزقة، بل أصبحت قضية اجتماعية وإنسانية تتداخل فيها مطالب الساكنة بحقها في فضاء منظم ونظيف، مع حق الباعة في مورد رزق كريم وظروف عمل تحفظ كرامتهم وتضمن استقرارهم الاجتماعي.

لسنوات، ظلت هذه الإشكالية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، بما تطرحه من تحديات مرتبطة بتنظيم المجال العام، وحركة السير، والنظافة، وظروف ممارسة التجارة. وفي المقابل، ظل عدد من الباعة يواجهون صعوبات حقيقية في البحث عن فضاء مناسب لممارسة أنشطتهم التجارية، في معادلة لا يمكن حلها بالمقاربة الزجرية وحدها، بل تحتاج إلى حلول عملية تستحضر البعد الاجتماعي والاقتصادي للظاهرة.

اليوم، تبرز مؤشرات على إمكانية الانتقال من مرحلة الانتظار إلى مرحلة الأمل، مع مشروع إحداث سوق من الجيل الجديد من صنف T3، الذي يشكل موضوع الاستشارة المعمارية المفتوحة رقم 02/2026 بجماعة حربيل.

 

إن أهمية هذا المشروع لا تكمن فقط في تشييد بناية جديدة أو توفير محلات تجارية، بل في القدرة على تقديم تصور عمراني يستجيب لحاجيات منطقة تعرف نمواً سكانياً وتوسعاً عمرانياً متواصلاً.

فالتصميم المعماري الجيد ليس مجرد واجهات جميلة أو توزيع للمساحات، بل هو رؤية متكاملة تراعي سهولة الولوج، وتنظيم الأنشطة التجارية، وشروط النظافة والسلامة، وانسيابية الحركة، وراحة المرتفقين، فضلاً عن توفير بيئة مناسبة للتجار والزبناء على حد سواء.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في أن يكون السوق الجديد فضاءً منظماً، يستوعب الحاجيات الفعلية للمنطقة، ويمنح التجارة المحلية إطاراً أكثر ملاءمة، ويساهم في الحد من مظاهر الفوضى التي ارتبطت بانتشار البيع العشوائي في بعض الفضاءات.

إن التصميم الذي يضع الإنسان في صلب اهتمامه يمكن أن يتحول إلى أداة فعالة لمعالجة إشكالات اجتماعية طال أمدها، خصوصاً حين يجمع بين الجمالية المعمارية والوظيفة الاقتصادية والبعد التضامني.

 

لكن الجانب الأكثر أهمية في هذا المشروع يظل هو البعد الإنساني. فوراء كل عربة أو بسطة تجارية قصة أسرة، ومصدر دخل، ومسؤوليات يومية، وأحلام بسيطة تتعلق بالاستقرار وتوفير لقمة العيش. ولذلك، فإن أي حل مستدام لهذه الإشكالية ينبغي أن يجعل الباعة المعنيين جزءاً من الحل، لا مجرد أطراف مطالبة بالابتعاد عن الشوارع.

إن توفير فضاء تجاري ملائم، مع اعتماد معايير واضحة ومنصفة للاستفادة، من شأنه أن يمنح الباعة فرصة للانتقال إلى ظروف عمل أكثر استقراراً، ويساعد على تنظيم أنشطتهم ضمن إطار يحفظ حقوقهم ويصون كرامتهم.

غير أن نجاح هذه الخطوة يظل رهيناً بوضوح شروط الاستفادة، ومراعاة الوضعية الاجتماعية والاقتصادية للمعنيين، وضمان الشفافية في تدبير المحلات، فضلاً عن ملاءمة تكاليف الاستغلال مع القدرة المالية للفئات المستهدفة.

فالمطلوب ليس نقل الباعة من مكان إلى آخر فحسب، بل تمكينهم من شروط حقيقية للنجاح والاستمرار، حتى لا تتحول معالجة ظاهرة البيع العشوائي إلى مجرد تغيير في موقعها.

 

يحمل مشروع السوق الجديد دلالات تتجاوز طابعه العمراني والتجاري، لأنه يضع إحدى القضايا اليومية التي تؤرق الساكنة والباعة في صلب التفكير في التنمية المحلية.

وإذا كانت هذه المرحلة تمثل خطوة واعدة على مستوى التخطيط والاستشارة المعمارية، فإن الأثر الحقيقي للمشروع سيُقاس بمدى انتقاله إلى الإنجاز الفعلي، وبقدرته على الاستجابة للحاجيات الواقعية للمنطقة، وبكيفية تدبيره بعد افتتاحه.

فالنجاح لا يتحقق بمجرد تشييد السوق، بل يتطلب تهيئة محيطه، وتنظيم الولوج إليه، وتوفير شروط النظافة والصيانة، واعتماد تدبير شفاف ومستدام، إلى جانب مواكبة الباعة المستفيدين لضمان استمرارية أنشطتهم التجارية.

ومن المهم كذلك أن يكون المشروع منفتحاً على انتظارات الساكنة، وأن تتم مواكبة مراحله بالتواصل والتوضيح، حتى تظل الثقة قائمة بين المواطنين والجهات المعنية.

 

إن ما يجعل هذا المشروع جديراً بالاهتمام هو قدرته المحتملة على الجمع بين مطلبين أساسيين: حق الساكنة في مجال حضري منظم، وحق الباعة في ممارسة التجارة في ظروف تحفظ كرامتهم وتدعم استقرارهم الاجتماعي.

وبين هذين المطلبين، تبرز فرصة لبناء حل متوازن يجعل من السوق الجديد فضاءً للتجارة المنظمة، ومتنفساً للساكنة، وفرصة اقتصادية للباعة، وخطوة إضافية نحو تحسين جودة الحياة بتامنصورت والدواوير المجاورة.

 

فتامنصورت لا تحتاج فقط إلى مشاريع إسمنتية، بل إلى مشاريع تحمل قيمة اجتماعية حقيقية، وتستجيب لانشغالات الناس، وتمنح الشباب والتجار والأسر أسباباً إضافية للتفاؤل بالمستقبل.

وعندما يجد البائع مكاناً كريماً يزاول فيه نشاطه، وتجد الأسرة فضاءً منظماً للتسوق، وتستعيد الشوارع جزءاً من انتظامها وجماليتها، يصبح المشروع أكثر من سوق جديد؛ يصبح عنواناً لإمكانية تحويل المعاناة اليومية إلى فرصة للتنمية، والانتظار الطويل إلى أمل يستحق أن يتحقق.

تامنصورت تستحق الأفضل… والرهان أن يكون هذا المشروع بداية مرحلة جديدة، عنوانها التنظيم والكرامة والإنصاف والتنمية التي تضع الإنسان أولاً

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.