تعويضات قضائية تهز تدبير جماعة حربيل، من يتحمل كلفة القرارات؟

0 50

متابعة :  بوجندار ______عزالدين.

المقال الرابع والخمسون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: حربيل.. هل يدفع المال العام ثمن أخطاء التدبير؟

 

ليست خزينة جماعة حربيل ملكاً لمسؤول أو مجالاً لتصفية الحسابات السياسية والشخصية، بل هي مال عام وُضع لخدمة المواطنين وتمويل مشاريع التنمية وتحسين ظروف العيش. غير أن المعطيات التي تطرح اليوم بشأن نزاعات قضائية مرتبطة بتدبير الشأن الجماعي تفتح الباب أمام أسئلة ثقيلة حول كلفة القرارات الإدارية، وحدود المسؤولية، ومن يتحمل تبعات الأحكام التي قد تثقل ميزانية الجماعة بمبالغ مالية مهمة.

في حلقة جديدة من سلسلة «من قاع الخابية»، نضع ملف التعويضات القضائية المحتملة أو المحكوم بها على جماعة حربيل تحت المجهر، انطلاقاً من معطيات تستدعي التحقق من وثائقها الرسمية، ليس بهدف إصدار أحكام مسبقة على الأشخاص، وإنما للمطالبة بتوضيح الحقيقة وحماية المال العام من أي تدبير قد تكون له عواقب مالية غير مبررة.

 

من بين الملفات التي تستوجب التوضيح، قضية مشروع تزويد دوار المرادسة والسفر بالماء الصالح للشرب، الذي أُسند إنجازه إلى شركة، وفق المعطيات المتوفرة بشأن الملف.

وتفيد المعطيات التي توصلت بها الجريدة بأن خلافاً ارتبط بمرحلة التوقيع النهائي أو المصادقة على انتهاء المشروع، بعدما أُنجزت الأشغال بحسب ما يُتداول بشأن القضية، وأن عدم استكمال الإجراءات من طرف المصالح التقنية المعنية بجماعة حربيل دفع الشركة إلى اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقوقها.

وتشير المعطيات نفسها إلى تعويض قُدّر بنحو 80 مليون سنتيم، يُقال إنه صدر لفائدة الشركة في إطار نزاعها مع الجماعة. ويبقى الاطلاع على الحكم القضائي النهائي ووثائقه ضرورياً لتحديد المبلغ الدقيق، وأساس التعويض، وطبيعة المسؤولية التي ربطتها المحكمة بالوقائع.

وهنا يطرح السؤال الذي لا يمكن تجاهله: إذا ثبت أن تعثراً إدارياً أو تقنياً غير مبرر تسبب في تحميل ميزانية الجماعة تعويضاً بهذا الحجم، فمن المسؤول عن القرارات أو الإجراءات التي أدت إلى ذلك؟ وهل جرى التحقق من احترام جميع الأطراف لالتزاماتها؟ وهل اتُّخذت التدابير اللازمة لتفادي خسائر مالية كان من الممكن تجنبها؟

إن مبلغاً يناهز 80 مليون سنتيم ليس رقماً هامشياً في ميزانية جماعة ترابية؛ فهو مبلغ يستحق التوضيح والمحاسبة المؤسساتية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروع يرتبط بحق الساكنة في الاستفادة من الماء الصالح للشرب.

 

ولا يقف الجدل عند مشروع دوار المرادسة. فوفق المعطيات التي توصلت بها الجريدة، يوجد ملف آخر يتعلق بالموظف مولاي، المرتبط بمكتب الحالة المدنية، والذي قيل إنه لجأ إلى القضاء في نزاع إداري مع رئيس الجماعة ومدير المصالح، بعد توقيفه عن العمل.

وتفيد المعطيات المتداولة بأن المحكمة قضت بعودته إلى العمل، مع الإشارة إلى مطالبة أو تعويض مالي قُدّر بحوالي 100 مليون سنتيم.

لكن من الضروري التمييز بين المبلغ الذي طالب به المعني بالأمر، والمبلغ الذي قضت به المحكمة فعلياً، وأي مبلغ أصبح نهائياً واجب الأداء؛ فهذه تفاصيل لا يمكن حسمها إلا بالرجوع إلى منطوق الحكم والوثائق الرسمية ذات الصلة.

ومع ذلك، فإن مجرد وجود نزاع قضائي من هذا النوع يطرح أسئلة جدية حول سلامة القرارات الإدارية المتخذة، ومدى احترام المساطر القانونية والضمانات المرتبطة بالوضعية المهنية للموظفين، وما إذا كانت الجماعة قد درست التبعات القانونية والمالية قبل اتخاذ القرارات التي انتهى النزاع بشأنها إلى القضاء.

فإذا ترتب عن قرار إداري غير سليم تعويض من المال العام، فإن الواجب المؤسساتي يقتضي فحص أسبابه وتحديد المسؤوليات وفق القانون، بدل الاكتفاء بأداء المبالغ من ميزانية الجماعة دون استخلاص الدروس اللازمة.

 

ومن الملفات التي تحتاج بدورها إلى توضيح، ما ورد بشأن لجوء النائب الثاني لرئيس جماعة حربيل وزوجته، التي تشغل بدورها منصب نائبة، إلى القضاء على خلفية قرارات مرتبطة بتغيير مواقع أو مهام داخل المجلس الجماعي، وفق المعطيات المتوفرة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى صدور أحكام قضائية لفائدتهما بشأن وضعيتهما، غير أن تحديد طبيعة هذه الأحكام وآثارها، وما إذا كانت تتضمن تعويضات مالية، يظل رهيناً بالاطلاع على الوثائق القضائية الرسمية.

وإذا ثبت أن قرارات إدارية اتُّخذت دون احترام المساطر القانونية، ثم أُلغيت أو رُتبت عنها التزامات مالية على الجماعة، فإن ذلك يستدعي مراجعة طريقة اتخاذ القرار داخل المؤسسة، والتأكد من أن الخلافات السياسية لا تتحول إلى نزاعات تُحمّل ميزانية الجماعة تكاليف إضافية.

فالمناصب الانتدابية ليست ملكية شخصية، كما أن الخلافات داخل المجالس المنتخبة لا ينبغي أن تكون سبباً في تعطيل المصالح العامة أو الدخول في قرارات ارتجالية قد تكون لها عواقب قانونية ومالية.

 

إن جمع هذه الملفات ضمن نقاش واحد لا يعني أن أسبابها أو مسؤولياتها متطابقة، ولا يسمح وحده بالجزم بأن جميع التعويضات نتجت عن تعنت أو تماطل متعمد. لكنه يفرض، في المقابل، سؤالاً أساسياً: هل تتوفر جماعة حربيل على تقييم شامل للكلفة المالية للنزاعات القضائية التي ترتبط بقراراتها الإدارية والتدبيرية؟

فإذا ثبت أن بعض القرارات تسببت في تعويضات كان بالإمكان تفاديها عبر احترام القانون أو استكمال الإجراءات في وقتها، فإن المطلوب هو تحديد مكامن الخلل، وفحص المسؤوليات وفق المساطر القانونية، واتخاذ التدابير الكفيلة بعدم تكرارها.

أما إذا كانت بعض النزاعات ناتجة عن أسباب أخرى أو عن اختلاف في تفسير الالتزامات القانونية والتعاقدية، فمن حق الرأي العام أن يعرف ذلك أيضاً، حتى لا تتحول الأسئلة المشروعة إلى اتهامات غير مؤسسة.

المال العام لا ينبغي أن يؤدي ثمن الأخطاء دون تقييم، ولا أن يتحمل المواطن كلفة قرارات لم تُدرس عواقبها بالشكل الكافي.

 

أمام هذه الملفات، يصبح من المشروع مطالبة الجهات المختصة، كل في حدود اختصاصها، بفحص الأحكام القضائية والملفات الإدارية والتعاقدية المرتبطة بها، وتحديد ما إذا كانت هناك اختلالات في التدبير أو تقصير يستوجب المساءلة.

كما يحق للمواطنين معرفة المبالغ التي أُديت فعلياً من ميزانية جماعة حربيل تنفيذاً لأحكام قضائية نهائية، والمبالغ التي لا تزال موضوع نزاع، والتكاليف التي ترتبت عن كل ملف، مع احترام سرية المعطيات التي يحميها القانون.

ومن شأن افتحاص هذه الملفات، عند الاقتضاء، أن يوضح ما إذا كانت التعويضات نتيجة التزامات قانونية لا مفر منها، أم أن هناك قرارات أو أفعالاً إدارية تستدعي ترتيب المسؤولية بشأنها.

وفي حال ثبوت ضرر مالي ناتج عن خطأ تتحقق بشأنه الشروط القانونية للمساءلة أو لاسترجاع الأموال، فإن المطلوب هو تفعيل الآليات القانونية المناسبة، دون تشهير أو اتهام مسبق لأي طرف.

 

إن جماعة حربيل في حاجة إلى توجيه مواردها نحو المشاريع التي تنتظرها الساكنة، من الماء الصالح للشرب إلى الطرق والإنارة والتجهيزات والخدمات الأساسية، لا إلى استنزاف إمكاناتها في نزاعات يمكن تفادي بعضها، إذا ثبت أن أسبابها تعود إلى ضعف التدبير أو عدم احترام المساطر.

ولهذا، فإن جريدة المشاهد تضع هذه الأسئلة أمام رئيس جماعة حربيل ومدير المصالح والمصالح التقنية المعنية، وتدعو إلى تقديم توضيحات موثقة بشأن الملفات المشار إليها، مع تمكين الرأي العام من معرفة حقيقة المبالغ المحكوم بها والمبالغ المؤداة فعلياً، وأسباب كل نزاع ومآله القانوني.

 

فمن يتحمل كلفة التعويضات التي تثقل خزينة جماعة حربيل؟ وهل ستُفتح مراجعة جدية لهذه الملفات لتحديد المسؤوليات، إن ثبت وجود إخلالات، وحماية المال العام من تكرارها؟

أسئلة لا تستهدف تصفية الحسابات مع أي مسؤول، بل تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتؤكد أن المسؤولية في تدبير الشأن الجماعي تقتضي احترام القانون، والتروي في اتخاذ القرارات، والاستعداد للمحاسبة وفق المساطر القانونية.

 

كما تطرح جريدة المشاهد تساؤلات سكان جماعة حربيل تامنصورت حول مدى قانونية استغلال آليات جماعة حربيل، وعلى رأسها الجرافة من نوع JCB، في أشغال تزويد دوار المرادسة والسفر بالماء الصالح للشرب، إلى جانب الشركة المكلفة بإنجاز المشروع. هل تم هذا الاستغلال بناءً على ترخيص أو اتفاقية واضحة، ووفق مساطر قانونية تحدد المسؤوليات وتكاليف الوقود والصيانة ومدة الاستعمال؟ أم أن الأمر يتعلق بتسخير آليات وممتلكات الجماعة لفائدة شركة دون توضيح الأساس القانوني لذلك؟ أسئلة تنتظر جواباً رسمياً من رئاسة جماعة حربيل، حفاظاً على المال العام وضماناً للشفافية وتكافؤ المعاملة

 

من قاع الخابية.. المال العام أمانة، وخزينة الجماعة ليست ملكاً لأحد، وكل تعويض يُؤدى منها يستحق أن تكون أسبابه واضحة، ومسؤولياته محددة، وآثاره على التنمية محسوبة.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.