قاع الخابية.. لغز البقعة ومن يحسم جدل البقعة 32
متابعة : بوجندار _____عزالدين.
المقال الرابع والخمسون بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان : الجماعة.. الشفافية قبل الإسمنت.
ليست القضية أن تتوفر جماعة حربيل على مقر إداري يليق بمؤسساتها ومرتاديها، فذلك مطلب مشروع لا يعارضه سكان تامنصورت، وإنما القضية الحقيقية هي: هل احترمت المساطر القانونية والتعميرية في اختيار البقعة رقم 32 لإنجاز مقر الجماعة، إذا كانت بالفعل مخصصة لساحة عمومية وفق وثائق التعمير المعتمدة؟
في سلسلة «من قاع الخابية»، نفتح هذا الملف الذي يثير تساؤلات متزايدة لدى عدد من سكان حربيل _ تامنصورت، بشأن مشروع بناء مقر جماعة حربيل، في ظل معطيات وتصريحات منسوبة إلى مستشار جماعي، ف _ أبو، تتحدث عن وجود ملاحظات تعميرية مرتبطة بالبقعة التي تحتضن الأشغال. وهي معطيات تستوجب التحقق منها بالوثائق الرسمية، وتقديم توضيحات صريحة للرأي العام.
إذا كانت البقعة رقم 32 مخصصة لساحة عمومية بموجب تصميم التهيئة أو وثائق التعمير الجاري بها العمل، فإن السؤال القانوني الأساسي هو: ما السند الذي يسمح بتغيير تخصيصها وإقامة مقر الجماعة فوقها؟ وهل تم تعديل التخصيص وفق المساطر والقرارات المطلوبة، أم أن المشروع انطلق استناداً إلى وثائق تحتاج إلى توضيح بشأن حجيتها ومطابقتها للقانون؟
إن تغيير تخصيص العقارات الموجهة للمرافق والفضاءات العمومية ليس مسألة إدارية بسيطة، ولا يمكن حسمه بمجرد قرار محلي أو تصميم تنجزه الجماعة. بل يتوقف الأمر على طبيعة العقار، والوثائق المنظمة له، والمساطر القانونية الواجبة التطبيق.
ومن هنا، فإن جماعة حربيل مطالبة بالكشف عن الوضعية القانونية والتعميرية للبقعة 32، ونشر المعطيات التي تثبت سلامة الإجراءات المتخذة بشأنها، حتى لا يبقى المجال مفتوحاً للتأويلات والتساؤلات.
بحسب تصريحات منسوبة إلى المستشار الجماعي فيصل أبو الفضل، فإن المشروع يثير ملاحظات تتعلق بالتعمير، رغم إعداد تصميم من طرف الجماعة بتمويل من المال العام.
وهنا تبرز أسئلة تستحق جواباً مؤسساتياً: هل جرى التأكد من مطابقة المشروع لتصميم التهيئة؟ وهل حصل على التراخيص اللازمة وفق المساطر المعمول بها؟ وهل تمت معالجة الملاحظات التي يُقال إن المصالح المختصة أثارتها بشأن المشروع؟
كما تطرح المعطيات المتداولة تساؤلات بشأن الشركة المكلفة بالدراسات أو المراقبة أو البناء، بحسب طبيعة المهام المسندة إليها، ومدى احترام الالتزامات التعاقدية والتقنية. وهي أسئلة لا تعني ثبوت أي مخالفة أو تبديد للمال العام، لكنها تبرر المطالبة بنشر العقود والوثائق ذات الصلة، وإخضاع المشروع للمراقبة اللازمة عند الاقتضاء.
فالمال العام لا يحتاج إلى تبريرات شفوية، بل إلى وثائق واضحة ومساطر سليمة ونتائج قابلة للتحقق.
ومن بين النقاط التي تستدعي التوضيح، ما يثار بشأن غياب لوحة تعريفية بالأشغال في موقع المشروع، وكذلك طبيعة الرخصة التي تم اعتمادها لبدء البناء.
هل توجد لوحة بالموقع تتضمن المعلومات القانونية والتقنية المطلوبة؟ وما رقم الرخصة وتاريخها والجهة التي أصدرتها؟ وهل تستوفي الوثائق المعتمدة الشروط القانونية الجاري بها العمل؟
أما الحديث عن اعتماد «رخصة ورقية» في زمن الرقمنة، فلا يكفي وحده لإثبات وجود مخالفة، ما دام الأمر يتطلب الاطلاع على الوثيقة والتحقق من صحتها ومسار إصدارها. لكن من حق المواطنين معرفة الأساس القانوني الذي انطلقت بموجبه الأشغال، خصوصاً عندما يتعلق المشروع بمرفق عمومي يمول من المال العام.
الأكثر إثارة للتساؤل هو ما يروج بشأن ملاحظات منسوبة إلى المصالح المختصة في التعمير بمراكش، وما يقال عن تنبيهات للوكالة الحضرية بمراكش بخصوص تخصيص البقعة 32.
وإذا ثبت رسمياً أن هذه المصالح سجلت ملاحظات أو تحفظات جوهرية بشأن قانونية المشروع أو مطابقة موقعه لوثائق التعمير، فإن الرأي العام من حقه معرفة مضمونها، والجهة التي توصلت بها، والإجراءات التي اتخذت لمعالجتها.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل استمرت الأشغال بعد تسوية الملاحظات والحصول على الوثائق اللازمة، أم أن هناك تحفظات ما تزال عالقة؟ لا يمكن الجزم بأي من الاحتمالين دون الاطلاع على المراسلات والقرارات الرسمية، لكن استمرار الغموض لا يخدم الثقة بين المؤسسة المنتخبة والسكان.
كما أن نسبة أي تحذير أو مراسلة إلى الوكالة الحضرية تقتضي نشر الوثيقة أو تأكيد مضمونها من مصدر رسمي، بدل الاكتفاء بالمعلومات المتداولة.
إن رئيس جماعة حربيل، ومدير المصالح، والأقسام التقنية المعنية، كلٌّ في حدود اختصاصاته، مطالبون بتقديم توضيحات للرأي العام بشأن المسار الإداري والتعميري للمشروع، ومآل الملاحظات التي يقال إنها أثيرت حوله.
ولا يتعلق الأمر بالتشكيك في حق الجماعة في بناء مقر إداري، بل بضمان أن يتم ذلك فوق وعاء عقاري سليم من الناحية القانونية، وفق التخصيص المعتمد، وباحترام قواعد الصفقات والشفافية والمراقبة، إن كانت منطبقة على مختلف مراحل المشروع.
فإذا كانت جميع الإجراءات سليمة، فإن نشر الوثائق الكفيل بإثبات ذلك سيضع حداً للتأويلات. وإذا كانت هناك اختلالات فعلية، فإن معالجتها وفق القانون تظل مسؤولية الجهات المختصة، حفاظاً على المال العام واحتراماً لوثائق التعمير وحقوق السكان.
سكان جماعة حربيل وتامنصورت ليسوا ضد بناء مقر للجماعة، ولا ضد تحسين ظروف عمل الإدارة واستقبال المرتفقين. لكنهم يرفضون أن يتحول مطلب مشروع إلى موضوع يكتنفه الغموض، أو أن تبقى الأسئلة المرتبطة بالعقار والرخص والدراسات والمراقبة دون أجوبة مقنعة.
فهل البقعة 32 مخصصة فعلاً لساحة عمومية؟ وهل تم تغيير تخصيصها وفق المساطر القانونية؟ وما حقيقة الملاحظات المنسوبة إلى المصالح المختصة؟ وهل تتوفر الجماعة على جميع الوثائق التي تسمح باستمرار الأشغال؟
هذه أسئلة مشروعة لا تجيب عنها البيانات العامة ولا الاتهامات المتبادلة، وإنما تحسمها الوثائق الرسمية والقرارات الإدارية والمعاينات التقنية.
وتؤكد جريدة «المشاهد»، في إطار خطها التحريري القائم على الانفتاح على الرأي الآخر بالحجج والدلائل، استعدادها لنشر توضيحات جماعة حربيل والجهات المعنية، وتمكينها من حق الرد، متى توفرت معطيات موثقة.
من قاع الخابية، تبقى الرسالة واضحة: لا اعتراض على مقر الجماعة، بل مطالبة بالشفافية. لا إدانة مسبقة لأي طرف، بل إصرار على كشف الحقيقة. فالفضاء العمومي حق للسكان، والمال العام أمانة، واحترام القانون هو المعيار الذي يجب أن يحتكم إليه الجميع.