قصة “البيصارة” والبرلماني القصري… حين تَغيب السياسة ويَحضر التهريج!

0 228

بوجندار____عزالدين/ المشاهد

بقلم: أبو سعد عبد الحي

 

في زمنٍ يترقّب فيه الشعب من ممثليه الحكمة والجدية، خرج علينا “برلماني قصري” ليتحدث لا عن التعليم أو الصحة أو الأسعار، بل عن “البيصارة”، وكأنها أصبحت رمزًا من رموز السيادة الوطنية، وعنصرًا خفيًا وراء القرار الأممي رقم 2797 المتعلق بالصحراء المغربية.
هكذا، وبكل بساطة، تحولت “البيصارة” إلى قضية سياسية… وصدّق أو لا تصدّق!
حين تتحول القبة إلى مقهى شعبي: لقد فقدت بعض الجلسات البرلمانية هيبتها، حين صار النقاش السياسي يختلط بالدعابة الرخيصة، وأصبح المواطن يتابع أشغال البرلمان لا بحثًا عن حلول، بل بدافع الفضول والضحك.
مشهد البرلماني القصري وهو يلوّح بملعقته المعنوية أمام زملائه، جعل البعض يتساءل: “هل نحن في قبة البرلمان أم في مقهى شعبي يتحدث فيه الجميع عن هموم الفول والعدس؟”
من وادي المخازن إلى “بيصارة المخازن”!
من المؤسف أن يتحدث ممثل الأمة وكأنه أحد أبطال معركة وادي المخازن، ناسياً أن تلك الموقعة صنعها رجال ضحوا بالغالي والنفيس دفاعًا عن السيادة، لا مهرجون يخلطون بين النضال والملاعق.
لقد شوّه بعض البرلمانيين صورة السياسة، وحوّلوا المؤسسة التشريعية إلى خشبة مسرح دون جمهور واعٍ ولا نصٍ محترم.
حكمة الحسن الثاني التي لا تموت: رحم الله الملك الحسن الثاني، الذي قال ذات يوم بمرارة ووضوح: “لم يبقَ برلمان، بل محل للتهريج.”
وها نحن اليوم نرى نبوءته تتحقق بحذافيرها، في زمنٍ يُرفع فيه الصوت أكثر مما تُرفع فيه القيم، ويُستعمل فيه الميكروفون أكثر مما يُستعمل فيه العقل
الوطن لا يُبنى بالبيصارة: إننا لا نطلب من ممثلينا المعجزات، لكننا نطلب شيئًا بسيطًا اسمه الاحترام.
احترام الموقع، واحترام الوعي الجمعي، واحترام الوطن الذي تعب من الكلام واشتاق إلى الأفعال.
فالسياسة ليست “وجبة ساخنة” تُقدَّم على طاولة البرلمان، ولا “بيصارة” تُتبَّل حسب المزاج السياسي، بل هي مسؤولية وطنية وأمانة أمام الله والوطن والملك والشعب.
لقد تعب المواطن من المشاهد الهزلية التي تُقدَّم له تحت قبة البرلمان، في الوقت الذي ينتظر فيه حلولاً واقعية لمشاكله اليومية: المدرسة العمومية التي تُعاني، والمستشفيات التي تئن، والطرقات التي تنتظر من يصلحها، والبطالة التي تصرخ في وجه الصمت الرسمي.
حين يصبح الضحك سياسة: ما يحدث اليوم هو انقلاب في الأدوار: المواطن الجاد صار ساخرًا، والسياسي الساخر صار حديث الساعة.
ومع كل “نكتة برلمانية”، يتسع الفارق بين من انتُخب ليشرّع ومن يتفرج عليه ليَسخر.
حتى صرنا نسمع المواطن البسيط يقول في المقاهي:
> “هادو كيهضرو على البيصارة، وحنا ما لاقين حتى الخبزة!”
إنه زمن المفارقات، حين تصبح الوجبات الشعبية أكثر حضورًا من القضايا الشعبية، وحين تتحول القبة التي كان يُفترض أن تُشرّع للمستقبل إلى مسرحٍ عبثيٍّ تائهٍ بين الجدّ والهزل.
نداء إلى العقلاء : إنّ المغرب الذي بنى مجده بدماء الأبطال وصبر الأجيال، لا يستحق هذا النوع من “التمثيل السياسي”.
بل يحتاج إلى رجال دولة، لا إلى “مؤدي أدوار”.
إلى نواب يُشرّعون بالقلم والعقل، لا بالملعقة والابتسامة الساخرة.
فلنُعد الاعتبار للمؤسسات، ولنُعد الهيبة للسياسة، لأنّ الأوطان لا تُبنى على “البيصارة”، بل على الغيرة، والعقل، والجدية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.