انتعاش السدود: حقائق الأرقام وسيناريوهات الاستهلاك.. هل ينجح المغرب في الحفاظ على “مخزونه الذهبي”؟
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
خلف بريق الأرقام الرسمية الأخيرة التي كشفت عن انتعاش “تاريخي” في الموارد المائية للمملكة، حيث قفزت نسبة الملء الوطنية إلى 75.65% وتجاوزت 11 سداً سعتها القصوى، تبرز أسئلة استقصائية حارقة: هل نحن أمام نهاية فعلية لسنوات الجفاف العجاف؟ وكيف سيتم تدبير هذا “الكنز المائي” لضمان صموده أمام التغيرات المناخية المتقلبة؟
تُظهر البيانات الاستقصائية أن رقم 13 مليار متر مكعب المخزنة حالياً لا تتوزع بالتساوي. فبينما تعيش أحواض الشمال (اللوكوس، سبو) حالة من “التخمة المائية” بوصول 11 سداً إلى نسبة 100%، تظل بعض أحواض الجنوب والوسط تحت ضغط الترقب. الاستقصاء الميداني يشير إلى أن هذه الوفرة تتطلب نظام “ربط بين الأحواض” أكثر فعالية لنقل الفائض من المناطق الممطرة إلى المناطق التي ما زالت تعاني من عجز في الفرشة الباطنية.
عندما يصل السد إلى طاقته القصوى، تُطرح إشكالية “صرف الفائض”. في غياب بنية تحتية كافية لتخزين الفائض خلف السدود الكبرى أو توجيهه نحو السدود التلية الصغرى، يضيع جزء مهم من هذه الهبة الربانية في المصابات البحرية. التحقيق في نجاعة “الطرق السيار للماء” يصبح ضرورة قصوى لمواجهة ضياع أمتار مكعبة كان من الممكن أن تنقذ مواسم فلاحية في مناطق بعيدة.
يخشى خبراء المناخ أن تؤدي هذه الأخبار الإيجابية إلى تراجع “الوعي المائي” لدى المستهلك والفاعل الفلاحي. الاستقصاء يطرح فرضية: هل ستتراجع الدولة عن إجراءات التقشف المائي (كتقنين سقي المساحات الخضراء أو منع زراعات مستنزفة للماء)؟ المعطيات تؤكد أن الأمن المائي لا يتحقق بـ “فصل ممطر واحد”، بل باستراتيجية تخزين طويلة الأمد تحمينا من “مباغتة الجفاف” التي قد تعود في أي لحظة.
مع امتلاء السدود بنسبة 75%، يعود الصراع التقليدي حول الأولوية: هل تُخصص هذه الموارد لتأمين مياه الشرب للمدن الكبرى لسنوات قادمة، أم تُفتح “صنابير” السقي لإنقاذ القطاع الفلاحي المتضرر؟ الأرقام تشير إلى أن تدبير “المخزون الاستراتيجي” يتطلب حكامة تفصل بين الاحتياجات الاستعجالية والرهانات المستقبلية.
إن وصول 11 سداً إلى طاقة ملء كاملة هو بشرى بلا شك، لكنه في عمق التحليل الاستقصائي هو اختبار لمدى قدرة السياسة المائية المغربية على التحول من تدبير الندرة إلى حكامة الوفرة ومنع ضياع قطرة ماء واحدة في زمن لا يعترف باليقين المناخي.
الماء الذي يملأ السدود اليوم هو سلف من الطبيعة يجب سداده بالتدبير العقلاني. فالفرحة بالامتلاء لا يجب أن تُنسينا غصة الجفاف؛ فالسد المملوء قد يفرغ في موسم، لكن السياسة المائية الرزينة هي التي تجعل من ‘العام الزين’ قاعدة ومن الجفاف مجرد استثناء عابر.