مراكش 2023-2028: قراءة في كواليس “منتدى التحيين”.. هل تكفي التوصيات لإنقاذ المدينة؟
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
متابعة: أذ _ ثريا عربان/ بوجندار عزالدين
في خطوة تهدف إلى ضخ دماء جديدة في شرايين التدبير المحلي، احتضن “قطب المواطن” بمنطقة المحاميد بمراكش، يوم الخميس 23 أبريل 2026، فعاليات المنتدى التشاركي لتحيين برنامج عمل جماعة مراكش للفترة 2023-2028. اللقاء الذي امتد من التاسعة صباحاً حتى السادسة مساءً، لم يكن مجرد إجراء إداري، بل محطة للمساءلة الشعبية وتحديد الأولويات تحت مجهر المجتمع المدني.
وقد تميزت الجلسة الافتتاحية لهذا اللقاء بحضور الكاتب العام لولاية جهة مراكش-آسفي، ونائب رئيسة جماعة مراكش، إلى جانب رؤساء مقاطعات المنارة وسيدي يوسف بن علي والنخيل. وعرف الاجتماع مشاركة واسعة لأطر الجماعة وعدد من المنتخبين ورؤساء المصالح الخارجية المعنية، مما يعكس المقاربة التشاركية المعتمدة في صياغة الرؤى المستقبلية للمدينة.
بدأت الجلسة الافتتاحية بعرض عام استهدف رسم خارطة الطريق للمنتدى، متناولاً السياق القانوني وحصيلة المنجزات. إلا أن “شيطان التفاصيل” كان حاضراً؛ حيث تسبب عطب تقني مفاجئ في إرباك عرض منجزات الجماعة، مما قطع حبل التواصل مع الحضور وأثار همسات حول مدى جاهزية الوسائل اللوجستية لمواكبة طموحات “مراكش الذكية”. هذا التوقف الاضطراري، الذي استدعى استراحة شاي قسرية، طرح تساؤلاً جوهرياً لدى الحاضرين: إذا كانت الجماعة تعجز عن ضبط “عرض تقني”، فكيف ستدبر ملفات الرقمنة والذكاء الحضري المعقدة؟
بعد إصلاح العطل، استأنف العرض مساره مسلطاً الضوء على التحديات والإكراهات التي واجهت البرنامج في نسخته الأولى، مقدماً توجهات كبرى تطمح لتجاوز “البلوكاج” التنموي في بعض القطاعات.
توزعت الأشغال على ثلاث ورشات موضوعاتية، كشفت عن تباين في الأولويات بين الطموح الرسمي والمطالب الشعبية:
1. البنيات التحتية: رهان “التنقل المستدام”
في الورشة الأولى، هيمن ملف “التنقل” على النقاش. الجماعة تراهن على تهيئة الطرق المهيكلة، وتعزيز السلامة الطرقية، واستكمال المحطة الطرقية وبناء المحجر الجماعي. اللافت كان التركيز على “منظومة التنقل المستدام”، وهو ما يضع الجماعة أمام اختبار حقيقي لتحديث أسطول النقل العمومي وتطوير الإنارة العمومية لتشمل أحياء الهامش لا المركز السياحي فقط.
2. العدالة الاجتماعية والتراث: صرخة المجتمع المدني
كانت الورشة الثانية الأكثر “سخونة”، حيث نقل رؤساء الجمعيات نبض الشارع. المطالب لم تتوقف عند الرياضة والثقافة، بل غاصت في عمق الجراح الاجتماعية: المنازل الآيلة للسقوط، وملف “مدن بدون صفيح” الذي ما زال يؤرق بال المراكشيين.
على جانب التراث، برزت مداخلات قوية تدعو لحماية “روح المدينة”، حيث شدد رئيس “منية مراكش” على أن العناية بالمدينة العتيقة ليست ترفاً سياحياً، بل صيانة لمكونات مادية ومعنوية تشكل هوية مراكش، خاصة مع مقترحات تأهيل حي جليز وساحة جامع الفناء.
في ظل الجفاف الهيكلي، ركزت الورشة الثالثة على “إعادة استعمال المياه العادمة” لسقي المساحات الخضراء، وهو مشروع حيوي لضمان استدامة حدائق المدينة. كما تم التطرق لتدبير النفايات، وسط تساؤلات حول مدى قدرة هذه المشاريع على الحد من التلوث البيئي وتحسين السلامة الصحية للمواطنين.
اختتم المنتدى بقراءة توصيات الورشات، والتي جاءت محملة بآمال عريضة لساكنة مراكش. ومع انتهاء اليوم الدراسي، يبقى التساؤل الاستقصائي المطروح: هل ستتحول هذه المقترحات إلى بنود ميزانية ملموسة في تحيين برنامج العمل؟ أم أن العطب التقني الذي شهده الصباح كان مجرد رمز لعقبات أكبر قد تواجه التنفيذ على أرض الواقع؟
إن تحيين برنامج عمل الجماعة ليس مجرد “تمرين تشاركي”، بل هو التزام سياسي وأخلاقي أمام ساكنة تنتظر أن ترى أثر “التنمية المستدامة” في أزقتها وحافلاتها، وليس فقط في قاعات العروض.
ومع إسدال الستار على هذا المنتدى التشاركي، يبقى السؤال الذي يتردد في مقاهي المحاميد وأزقة المدينة العتيقة: هل سيجد هذا “الكلام الموزون” طريقه إلى أرض الواقع، أم سيبقى حبيس رفوف الجماعة كغيره من المخططات؟
لقد كشف عطب “البروجيكتور” في بداية اللقاء – وبشكل رمزي– أن المسافة بين “الرؤية الاستراتيجية” وبين “التنفيذ التقني” لا تزال تحتاج إلى الكثير من الجدية. فالمواطن المراكشي الذي استبشر خيراً بتدبير المياه العادمة وتهيئة الطرقات، هو نفسه الذي يواجه يومياً زحمة النقل الخانقة، وخطر الجدران الآيلة للسقوط، وتلاشي المساحات الخضراء أمام زحف الإسمنت.
خلاصة القول: أاااااااااسي المسؤول بمراكش، قيل “الكلام الجميل” في الورشات، ورُسمت مراكش في أبهى حللها على الورق، لكن “الواقع” لا يُجامل. إن تحيين برنامج عمل الجماعة لن يكتسب شرعيته من جودة “العروض التوضيحية”، بل من قدرته على إنهاء كل الأشغال والترميمات الحالية بمراكش، وإعادة الروح لحي جليز، وحماية هوية المدينة العتيقة من الاندثار.
باختصار: المخطط موجود، والتمويل مرصود، والساكنة تنتظر الوفاء بالوعود.. فهل ستكون جماعة مراكش في موعدها مع التاريخ، أم أن “رياح” الإكراهات ستعصف بما خطته أقلام “الخبراء”؟