شراكة مكناس الثلاثية: رهان “الحكامة” لدمج الفلاح الصغير في الاقتصاد المنظم.
بوجندار_عزالدين/ مدير نشر
متابعة خاصة:
بينما تزدحم أروقة قطب “المنتجات المجالية” في معرض مكناس بآلاف الزوار، ووسط روائح زيت الأركان والزعفران، وُقّعت أمس الخميس اتفاقية “ثلاثية الأبعاد” قد تغير وجه الريف المغربي. أطرافها: المكتب الوطني للاستشارة الفلاحية، مكتب تنمية التعاون، و”كومادير” (ممثلة المهنيين).
لكن، وبعيداً عن فلاشات الكاميرات وبروتوكولات التوقيع، يطرح السؤال نفسه: هل تنجح هذه الشراكة في حل العقدة المزمنة للتعاونيات الفلاحية المغربية، وهي “ضعف الحكامة” و”تغول الوسطاء”؟
رغم وجود آلاف التعاونيات في المغرب، إلا أن عدداً كبيراً منها يعاني مما يصفه الخبراء بـ”الهشاشة التنظيمية”. الكثير من هذه التنظيمات تفتقر للحسابات البنكية المنظمة، والمحاضر القانونية، والأهم من ذلك، تفتقر لـ”النفس المقاولاتي”.
يقول أحد العارضين في المعرض: “نحن ننتج أفضل العسل، لكننا لا نعرف كيف نتفاوض مع المساحات التجارية الكبرى، والوسيط يأخذ الحصة الأكبر من الربح”. هنا تأتي الاتفاقية لتجيب على هذا التحدي عبر “الاستشارة الفلاحية الرقمية” وإعادة هيكلة الإدارة الداخلية لهذه التعاونيات.
تستهدف الاتفاقية إدماج التعاونيات في “سلاسل القيمة المنظمة”. هذا المصطلح التقني يعني ببساطة: أن تتوقف التعاونية عن كونها “بائعاً للمادة الخام” فقط، لتصبح شريكاً في التصنيع، التلفيف، والتسويق.
الاتفاقية تراهن على أن تصبح التعاونية جزءاً من الفيدراليات البيمهنية، مما يعطي للفلاح الصغير “صوتاً مسموعاً” في القرارات الكبرى للقطاع، ويسمح له بالاستفادة من الدعم المخصص للرقمنة وعصرنة وسائل الإنتاج.
أحد أخطر التحديات التي يواجهها النسيج التعاوني هو “شخصنة التدبير”، حيث ترتبط التعاونية بشخص واحد أو عائلة واحدة. الاتفاقية الموقعة بمكناس تضع “مكتب تنمية التعاون” أمام مسؤولية جسيمة: فرض معايير صارمة للشفافية المالية والإدارية.
الهدف هو تحويل التعاونية من “جمعية اجتماعية” تنتظر المنح، إلى “مقاولة اجتماعية” تحقق أرباحاً وتخلق فرص شغل حقيقية للشباب والنساء في العالم القروي.
تتحدث الاتفاقية عن “منظومة مندمجة لتبادل المعطيات”. وفي بلد لا تزال فيه الأمية التقنية مرتفعة في بعض المناطق القروية، يبدو التحدي كبيراً. نجاح هذه الشراكة رهين بمدى قدرة “المستشارين الفلاحيين” على النزول للميدان، وتبسيط هذه المفاهيم المعقدة للفلاح البسيط الذي قد لا يملك بريداً إلكترونياً، لكنه يملك أرضاً ومنتجاً بجودة عالمية.
اتفاقية مكناس ليست مجرد حبر على ورق، بل هي “خارطة طريق” لإنقاذ آلاف الأسر القروية من مخالب العشوائية. النجاح لن يُقاس بعدد الاجتماعات، بل بعدد التعاونيات التي ستتمكن، في العام القادم، من عرض منتجاتها في الأسواق الدولية وبأسماء تجارية “براند” قوية ومحمية قانونياً.
الكرة الآن في مرمى الأطراف الثلاثة الموقعة: فهل سيتحول “النسيج التعاوني” إلى قاطرة حقيقية للتنمية، أم ستظل الحكامة “كلمة حق” يصعب تطبيقها في الواقع القروي المعقد؟