مراكش في عهد “المنصوري”: الواجهات تلمع.. والأحياء الشعبية “تغرق” في الظل

0 56

بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر

المقال الرابع والثلاثون بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان : بين أرقام “الورق” وواقع “الحفر”: أي إرث ستتركه المنصوري لمراكش؟

 

بينما كانت أضواء “قصر البلدية” في مراكش تسلط الضوء على أرقام سياحية قياسية واستضافة مؤتمرات عالمية، كانت صرخة مواطنة بسيطة من حي “المسيرة” كفيلة بأن تهز العرش الحديدي للعمدة فاطمة الزهراء المنصوري. صرخة لم تكن مجرد عتاب، بل كانت “كشف حساب” لتدبير يراه الكثيرون يخدم “السياح” أكثر مما يخدم “المراكشيين”. فهل نجحت المنصوري في تحقيق تنمية حقيقية، أم أنها اكتفت بـ”ماكياج” حضري للمناطق التي يمر منها الأجانب؟

 

أكبر سقطات التدبير الحالي بمراكش تتجلى في ما يسميه المختصون “العدالة المجالية”. في عهد المنصوري، تحولت مراكش إلى مربعين متناقضين:

1_ مربع “البرستيج”: (جليز، الشتوي، النخيل) حيث تُعبّد الطرقات في ليلة وضحاها، وتُزين الشوارع بأحدث الإنارات، وتُشذب الحدائق لاستقبال الوفود.

2_ مربع “المنسيين”: (سيدي يوسف بن علي، المحاميد، العزوزية) هنا، يواجه المراكشي “حفراً” استوطنت الطرقات منذ سنوات، وإنارة باهتة تُشعر المواطن بانعدام الأمن، وأزمة نقل حضري تجعل من ركوب الحافلة “قطعة من العذاب” اليومي.

من “قاع الخابية” السياسية، يبرز التساؤل الجوهري: كيف يمكن لمن تدير وزارة الإسكان والتعمير وإعداد التراب الوطني، وتقود حزب الأصالة والمعاصرة (كعضو في القيادة الجماعية)، أن تتفرغ لمشاكل “الواد الحار” في حي إيزيكي والحفر فالعزوزية أوزيد.. اوزيد؟

الانتقادات تشير إلى أن المنصوري “عمدة بالنيابة”. فكثرة انشغالاتها بالرباط جعلت تدبير المدينة يقع في يد نوابها، مما خلق “تشتتاً” في القرار الإداري وبطءاً في معالجة شكايات المواطنين البسطاء، الذين يشعرون أن عمدتهم أصبحت “بعيدة المنال” خلف أسوار الوزارة.

رغم المجهودات المبذولة بعد فاجعة الزلزال، إلا أن ملف “إعادة إعمار المدينة العتيقة” يطبعه الغموض. شهادات من قلب “الملاح” و”باب أيلان” تتحدث عن بطء شديد في صرف التعاوضات أو منح رخص الترميم، في مقابل سرعة مريبة في ترميم الفنادق الكبرى والمآثر السياحية. هذا التفاوت وضع العمدة في مواجهة اتهامات مباشرة بتغليب كفة “اللوبي السياحي” على حساب “الاستقرار الاجتماعي” لسكان المدينة القديمة.

وفي الوقت الذي تفتخر فيه العمدة بمشاريع تهيئة الفضاءات السياحية، يعيش سكان الحي العسكري بمراكش (بين القشالي) حالة من الاحتقان والترقب بعد أن طالتهم عمليات هدم واسعة خلفت وراءها مشاهد بؤس لا تليق بـ”المدينة العالمية”.

وعرفت عملية الهدم  والترحيل انتقادات الساكنة على “نكث الوعود”؛ فبينما كان هناك اتفاق (محضر 2011) يقضي بـ إعادة هيكلة الحي في مكانه وتمليك المنازل لقاطنيها من قدماء العسكريين والمقاومين، تفاجأ الجميع بتغيير المسار نحو الترحيل الجماعي إلى منطقة العزوزية. يتساءل السكان بمرارة: “أين السيدة العمدة من هذا التراجع؟ ولماذا لم يتم تفعيل المذكرة الملكية التي تنص على تمليكنا مساكننا؟”.

يُطرح اسم العمدة بقوة في هذا الملف لكونها تجمع بين صفتين؛ عمدة مراكش ووزيرة الإسكان. وبصفتها الوزارية، يرى المتضررون أنها المسؤولة الأولى عن تنزيل برامج السكن، لكنهم يواجهون اليوم دعاوى قضائية بـ”الاحتلال بدون سند” صادرة عن “صندوق الإيداع والتدبير”. هذا التناقض جعل البعض يتهمها باستغلال صفتها لتسهيل إفراغ وعاء عقاري ضخم (270 هكتاراً) لتحويله إلى فنادق وعمارات فاخرة، عوض إنصاف الساكنة التاريخية.

بلغ التوتر ذروته في فبراير 2026، حيث تم تسجيل حالات وفاة وإصابات خلال احتجاجات الساكنة ضد قرارات الهدم المفاجئة. يرى الحقوقيون أن تدبير هذا الملف يعاني من “عنف إداري” وغياب تام للحوار الحقيقي مع الأسر التي أفنت أعمارها في خدمة الوطن، ليجدوا أنفسهم في مواجهة “تنمية” لا تراهم إلا “عقبات في طريق الاستثمار”.

 

 

عندما واجهت المنصوري انتقادات المواطنين مؤخراً، لم تلجأ إلى لغة القرب، بل ردت بـ”أرقام المليارات” والمشاريع (154 مشروعاً بتكلفة خيالية). لكن الحقيقة التي يكشفها هذا التحقيق هي أن أغلب هذه المشاريع إما “موروثة” عن المجالس السابقة، أو أنها مشاريع “صندوق التجهيز الجماعي” التي تزيد من مديونية المدينة، دون أن تنعكس فعلياً على دخل المواطن المراكشي أو قدرته الشرائية.

لا يمكن الحديث عن تدبير المنصوري دون نبش ملف “العقار”. هناك اتهامات صامتة تدور في ردهات المجلس حول تسهيلات تُمنح لمشاريع عقارية كبرى في مناطق “تاركة” و”النخيل”، في وقت يتم فيه التضييق على صغار المنعشين أو المواطنين الراغبين في بناء مساكن بسيطة. صمت العمدة عن ملفات نزع الملكية بواد إيسيل زاد من حدة التكهنات حول الجهات الحقيقية المستفيدة من “إعادة هيكلة المدينة”

 

فاطمة الزهراء المنصوري العمدة الحالية نجحت بامتياز في “تسويق” مراكش كوجهة عالمية، واستغلت نفوذها الوزاري لضمان تمويلات ضخمة للمدينة. لكنها، وبشهادة الفئات الهشة، فشلت في ملامسة “الروح المراكشية” وفي تحقيق تنمية تصل إلى “قاع الخابية” في الأحياء الشعبية.

مراكش اليوم، ليست في حاجة لـ”عمدة وزيرة” تزورها في العطل، بل في حاجة لـ”خادم للمدينة” يتجول في أزقتها دون مواكب رسمية، ليرى الحفر التي يسقط فيها المواطن يومياً، بعيداً عن أضواء “قصر البديع”.

 

السؤال الذي يطرحه سكان مراكش، أين السيدة العمدة؟ الإجابة تائهة بين مكاتب الرباط واجتماعات مراكش. ملف الحوز و”بن القشالي” يضع مصداقية “المنصوري” على المحك؛ فهل ستنتصر لحقوق البسطاء من حماة الوطن، أم أن “شهية العقار” في مراكش أكبر من أن تُقاوم؟

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.