“الزواق يطير”.. كيف تحول رواد الفن إلى أرقام منسية؟

0 11

بوجندار______عزالدين/ مدير نشر.

 

بطاقة الفنان” لا تطعم خبزاً.. الرواد يطالبون بـ”كوطا” الكرامة!

متابعة______ خاصة.

أعادت الصرخة الرقمية الأخيرة للفنانين القديرين عبد الغني الصناك وبوشعيب حاجي، فتح جرح غائر في جسد المشهد الثقافي المغربي؛ جرح لم تفلح المهدئات القانونية ولا الوعود المؤسساتية في اندماله. هذه الصرخة لم تكن مجرد عتاب عابر، بل هي تقرير واقعي يختزل معاناة جيل كامل من الرواد الذين بنوا أعمدة الدراما، والمسرح، والغناء، والتشكيل، والزجل في المملكة، ليجدوا أنفسهم اليوم على هامش “سوق” فنية لا تعترف إلا بمنطق “المشاهدات” والروابط العائلية وضغظ منصات التواصل الاجتماعي.

 

إذا نظرنا إلى كفة العمل الحكومي، فلا يمكن إنكار أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل والحكومة الحالية، قد وضعت ملف الفنان على طاولة التشريع. أرقام الميزانيات المخصصة لدعم المسرح، الموسيقى، الفنون التشكيلية، والنشر تضاعفت، كما أن ورش التغطية الصحية الإجبارية (AMO) عبر “بطاقة الفنان” شكّل خطوة تاريخية لتحصين المبدع من ذل السؤال عند المرض.لكن، ومثلما يقال بالعامية المغربية: “الزواق يطير”؛ فالإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب الترسانة القانونية، بل في “فجوة التنزيل”. إن مؤسسة رعاية الفنانين والمبدعين التي تم التبشير بها، والمنصات الرقمية للدعم السنوي، تظل آليات جافة ما لم تصطدم بجرأة حقيقية تفرض على شركات الإنتاج التلفزيوني والسينمائي احترام “تاريخ” الممثل المغربي.

 

يعيش قطاع التمثيل والمسرح تحديداً أزمة “تسييد العلاقات” على حساب الكفاءة. يتحكم في “الكاستينغ” اليوم منطق الشللية و”الوزيعة” بين مخرجين ومنتجين يعيدون تدوير نفس الوجوه في كل موسم رمضاني أو عمل سينمائي. في المقابل، يُقبر رواد التشخيص والمسرح في بيوتهم، ينتظرون هاتفاً لا يرن، ليس لقلة عطائهم، بل لأنهم لا يملكون ملايين المتابعين على “إنستغرام”، أو لأنهم يرفضون تقديم تنازلات مهنية تمس بوقار شيبتهم الفنية.هذا التهميش لا يقتصر على أهل التشخيص؛ فالملحن والشاعر والزجال المغربي يعيشون نفس العزلة. فالأغنية المغربية المعاصرة تميل نحو “الاستهلاك السريع” متخلية عن رصانة الكلمة وعمق اللحن الذي صاغه الرواد، مما جعل المبدع الحقيقي يعيش “بطالة مقنعة” في بلد يشهد طفرة في تنظيم المهرجانات الكبرى.

 

إن الاعتراف بالجميل للرواد لا يجب أن يظل محصوراً في تعازٍ رسمية تنشرها الوزارة عند رحيل أحدهم، أو في تكريمات بروتوكولية تمنح دروعاً نحاسية لا تسمن ولا تغني من جوع.المهنية تقتضي اليوم فرض دفتر تحملات صارم على القنوات العمومية وشركات الإنتاج، يتضمن بنداً واضحاً يفرض “كوطا” (نسبة مئوية) دنيا لمشاركة الفنانين الرواد في أي عمل مدعوم من أموال دافعي الضرائب. إن تشغيل الفنان الرواد هو “حق مشروع” وليس “صدقة” أو “ريعاً”، لأن استمرار إقصائهم هو إفراغ للهوية الثقافية المغربية من عمقها الإنساني والتاريخي.صرخة الصناك وحاجي، ومن قبلهما عشرات القامات، هي جرس إنذار أخير: كرامة المبدع المغربي هي المعيار الحقيقي لنجاح أي استراتيجية ثقافية، وبدونها تصبح كل المشاريع والمنصات مجرد مساحيق تجميل على وجه واقع شاحب.

 

إن الصدمة التي خلفها الفيديو المنتشر كالنار في الهشيم عبر الشباك العنكبوتية، لم تكن بسبب الكلمات في حد ذاتها، بل في “نبرة الانكسار” التي خرجت بها من حنجرتي الفنانين عبد الغني الصناك وبوشعيب حاجي. لم يكن ذلك مجرد تصريح صحفي أو احتجاج عابر، بل كان “صرخة روح” حقيقية؛ روح أعطت للمشهد الفني المغربي زهرة شبابها وسنوات عمرها، وتجد نفسها اليوم تموت ببطء وتُقبر حية بفعل مقصلة التهميش والاقصاء الممنهج.أن يخرج قامات قدموا الكثير للدراما والمسرح المغربي، ليعلنوا عن “عطالتهم القسرية” أمام ملأ العالم الرقمي، هو إدانة صريحة لكل شعارات التنمية الثقافية؛ فالموت الحقيقي للفنان ليس هو توقف نبضه، بل هو إحساسه بالعبث واللاجدوى، ورؤية تاريخه يتبخر أمام جيل جديد من المنتجين والمخرجين يفضلون “الاستهلاك السريع” على حساب الرصانة والوقار.إن هذه الصرخة الافتراضية يجب أن تهز ضمير الوزارة الوصية والحكومة وكل المتدخلين في القطاع. فالرواد لا يطلبون صدقة، ولا يستجدون عطفاً، بل يطالبون برفع اليد الثقيلة للإقصاء عن أرزاقهم وتاريخهم. فإذا كان الفن هو مرآة المجتمع وهويته، فإن ترك صانعي هذه الهوية يموتون كمداً وتهميشاً، هو اغتيال معلن لكرامة الإنسان المغربي قبل كرامة المبدع. لقد دقت صرخة الصناك وحاجي جرس إنذار أخير: أنقذوا الرواد قبل أن يتحول الصمت إلى جنازة جماعية لـ “قاع خابية” الفن المغربي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.