انفجار شعبي .. جفاف وبطالة وظلام

0 3

متابعة: بوجندار_________عزالدين.

 

تونس __ تحقيق استقصائي.

في قلب العاصمة تونس، ووسط أحياء “التضامن” والسيجومي، ووصولاً إلى محافظات المنستير وقابس ومنوبة، لم تعد الشعارات المرفوعة في المسيرات الاحتجاجية مجرد مطالب سياسية كلاسيكية. مع ملامسة درجات الحرارة حاجز الـ 50 درجة مئوية في ذروة فصل الصيف، امتزجت الهتافات المنددة بمنظومة الحكم بمطالب حيوية حارقة تلخصها لافتات كُتب عليها بمرارة: “لا ضوء، لا ماء.. الحبس والغلاء”.

 

يتزامن هذا الانفجار الاجتماعي المتصاعد مع الذكرى الخامسة للقرارات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021. لكن الأزمة الحالية تجاوزت الصراع السياسي الضيق لتتحول إلى معركة يومية من أجل البقاء، يخوضها التونسيون وسط شبكات بنية تحتية متهالكة، وانقطاعات متناوبة ومفاجئة للتيار الكهربائي ومياه الشرب.

تُرجع الشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) الأزمة إلى ما تسميه “سياسة تخفيف الأحمال” وحماية المنظومة الوطنية من الانهيار الشامل نتيجة الاستهلاك القياسي لأجهزة التكييف، الذي قفز بنحو 29% مقارنة بالمعدلات العادية.

ومع ذلك، يكشف التقصي في أبعاد الأزمة الهيكلية عن ثلاثة محاور أعمق:

● تبعية الطاقة الإقليمية: يرتبط الأمن الطاقي التونسي بشكل وثيق بإمدادات الغاز والكهرباء القادمة من الجزائر. أي اضطراب أو زيادة في الاستهلاك الداخلي لدى الجارة الجزائرية ينعكس مباشرة على استقرار الشبكة التونسية المنهكة

● شح الاستثمار الهيكلي: تُجمع التقارير الاقتصادية المستقلة على أن أزمة الكهرباء والمياه ليست وليدة الصيف الحالي، بل هي نتاج سنوات من غياب الاستثمارات الحقيقية في صيانة محطات التوليد، وتجديد قنوات توزيع المياه التابعة للشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه

الاحتباس الحراري وتأثير الجفاف: تعيش تونس عامها السادس على التوالي من الجفاف الممتد، مما خفض مخزونات السدود إلى مستويات حرجة، وجعل تزويد المدن الكبرى بمياه الشرب بمثابة عملية معقدة تُدار بنظام الحصص المتقشف.

 

لم تعد الانقطاعات مجرد إزعاج عابر، بل تحولت إلى تهديد مباشر للأرواح والممتلكات وصمود النسيج الاقتصادي الصغير:

1. جبهة الصحة والمستشفياتأطلقت الكوادر الطبية في مستشفيات كبرى، مثل مستشفى “عبد الرحمن مامي” بأريانة، صيحات فزع بعد تدفق أعداد غير مسبوقة من المرضى المصابين بالفشل التنفسي المزمن، والذين تدهورت حالتهم نتيجة تعطل أجهزة الأكسجين المنزلية وانقطاع التكييف في ذروة القيظ. وصرحت مصادر تابعة لمنظمات طبية مستقلة (كالمنظمة التونسية للأطباء الشبان) برصد وفيات مرتبطة بشكل مباشر بموجة الحر وتزامنها مع غياب الكهرباء والمياه في الأحياء المكتظة والمناطق الداخلية.

2. نزيف “صغار الكسبة” والتجارة المحليةفي الأسواق والمحلات التجارية، يتكبد أصحاب النوافذ الصغيرة والمبردات خسائر بآلاف الدنانير جراء تلف المواد الغذائية اللحمية واللبنية. ويشير خبراء اقتصاد إلى أن يوماً واحداً من الشلل الطاقي العشوائي يكلف الاقتصاد الوطني ملايين الدنانير، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من أزمة سيولة وتصنيف ائتماني حرج.

 

تأخذ الأزمة بعداً سياسياً حاداً يضع مؤسسات الدولة في مواجهة مكشوفة:

● المقاربة الرئاسية: يتبنى الرئيس التونسي قيس سعيد خطاباً يتهم فيه أطرافاً داخل الإدارة بالتواطؤ والتعمد في قطع المياه والكهرباء “للتنكيل بالمواطنين وتأجيج الشارع”.وفي زيارات ميدانية قادته إلى منشآت حيوية مثل مركب “غدير القلة” لمعالجة المياه، توعد المحاسبة القضائية لمن يسميهم “المتلاعبين بقوت التونسيين”.

● المساءلة والغياب الحكومي: في المقابل، تحولت قبة مجلس نواب الشعب إلى ساحة مواجهة؛ حيث تقدم نواب بعرائض لمساءلة وزراء الحكومة حول عجزهم عن إدارة الأزمة. وتفاقم الاحتقان بعد تغيب ممثلي الحكومة عن جلسة برلمانية علنية خُصصت لمناقشة انقطاع الخدمات، وهو ما اعتبره برلمانيون “هروباً من المسؤولية وفشلاً تواصلّياً”.

● تآكل المساحات المدنية: تتزامن هذه الأزمة مع تحذيرات أطلقتها منظمات حقوقية، من بينها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، حول تردي ظروف السجون في ظل الحرارة الحالية، وانكماش هوامش التعبير بسبب الملاحقات القضائية بموجب “المرسوم 54” المتعلق بالجرائم الرقمية.

تُثبت أزمة الصيف الحالي في تونس أن الفصل بين الاستقرار السياسي وتأمين الحاجيات الحياتية الأساسية بات مستحيلاً. إن الحلول الترقيعية وسياسة “إطفاء الحرائق” العشوائية عبر قطع الكهرباء لعدة ساعات لم تعد مجدية أمام التغيرات المناخية المتطرفة.

 

في نهاية المطاف، لا تُقاس حدّة الأزمة التونسية اليوم بأرقام العجز الطاقي أو بنسب جفاف السدود، بل بفاتورة إنسانية حارقة يدفعها التونسيون من صلب تفاصيلهم اليومية؛ يدفعها أبٌ يرقب بقلب مفطور طفلاً يختنق في شقة بلا تيار كهربائي، وتاجرٌ صغير يرى شقاء عمره يتلف في برّادات مطفأة، وفلاحٌ يشاهد أرضه المتشققة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة. إن استمرار صناع القرار في تبني استراتيجيات الترقيع السياسي، وإلقاء اللوم على “المؤامرات” بدل النزول إلى عمق الخلل الهيكلي، ليس مجرد عجز تدبيري، بل هو حكم مع وقف التنفيذ بنزع “الحق في الحياة” عن المواطن البسيط. وبدون ثورة استثمارية عاجلة في الطاقات المتجددة وتحديث شبكات المياه، لن تكتفي فصول الصيف القادمة بإحراق الأجساد، بل ستذيب بلهيبها ما تبقى من خيوط التماسك الاجتماعي، لتضع البلاد أمام انفجار شعبي لن توقفه الوعود، ولن تطفئه مسكنات الخطابات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.