ملف “سيكوم” بمكناس: وثائق وتسلسل زمني يكشفان الحقيقة بعيداً عن السياسة
المشاهد____هيئة التحرير
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية بإقليم مكناس، عاد ملف شركة “سيكوم” إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي، بعدما تحول إلى أحد أبرز المواضيع المتداولة في الخطاب الانتخابي المحلي. وبين اتهامات متبادلة ومحاولات لتحديد المسؤوليات، تفرض الوثائق والمعطيات الزمنية نفسها باعتبارها المرجع الأساسي لفهم المسار الحقيقي الذي عرفته هذه المؤسسة الصناعية، التي شكلت لعقود إحدى ركائز النسيج الاقتصادي بالمدينة.
فشركة “سيكوم”، التي تأسست سنة 1976، لم تكن مجرد وحدة إنتاجية، بل كانت رمزاً للصناعة النسيجية بمكناس ومصدراً لآلاف مناصب الشغل. غير أن الوثائق المتوفرة تشير إلى أن المؤسسة دخلت مرحلة من الصعوبات المالية والهيكلية منذ سنة 2012، حيث بدأت مؤشرات التراجع في الإنتاج والمردودية تظهر بشكل واضح، قبل سنوات من أي عملية لإعادة هيكلة رأسمالها أو تغيير نمط تدبيرها.
وفي سنة 2016، وفي محاولة لإنقاذ النشاط الصناعي وجلب مستثمر أجنبي، تم إحداث شركة جديدة تحت اسم “سيكوميك” لتتولى تدبير النشاط الصناعي بشكل مستقل عن العقار الأصلي للمؤسسة. وفي هذا الإطار، تولى رجل الأعمال أناس الأنصاري مهمة الإشراف على مرحلة إعادة الهيكلة، بصفته شريكاً ومسيراً للنشاط الصناعي، خلال الفترة الممتدة من يونيو 2016 إلى أكتوبر 2017.
وتفيد المعطيات المتعلقة بهذه المرحلة بأن عملية الانتقال تمت مع الحفاظ على الأقدمية المهنية للعمال وحقوقهم الاجتماعية وفق المقتضيات القانونية الجاري بها العمل. كما تشير الوثائق إلى أن الأنصاري غادر الشركة بعد إنهاء مهامه وإبراء ذمته القانونية، فيما استمرت المؤسسة بعد ذلك تحت إدارة مسيرين آخرين، إلى أن توقفت أنشطتها بشكل نهائي بعد سنوات، وانتهى مسارها بالإفلاس.
ويكتسي بيان الاتحاد المحلي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بمكناس، الصادر بتاريخ 14 دجنبر 2023، أهمية خاصة ضمن هذا الملف، باعتباره وثيقة صادرة عن الجهة النقابية التي واكبت تطورات المؤسسة عن قرب. فقد تضمن البيان إشارات إلى مسؤوليات متعددة في ما آلت إليه أوضاع الشركة، متحدثاً عن نزاعات داخلية وصراعات نقابية اعتبرها من بين العوامل التي ساهمت في توقف الإنتاج، كما انتقد ما وصفه باستغلال أوضاع العاملات والأجراء في صراعات ذات خلفيات سياسية وانتخابية.
وفي المقابل، يواصل أناس الأنصاري نشاطه على رأس الجمعية المغربية لصناعة النسيج والألبسة (AMITH)، بعدما أعيد انتخابه بالتزكية سنة 2025 لولاية جديدة، في قطاع يضم حوالي 1600 مقاولة ويوفر ما يقارب 240 ألف منصب شغل على الصعيد الوطني. كما تشير معطيات مرتبطة باستثماراته اللاحقة بمنطقة مكناس إلى مساهمته في إحداث أكثر من 3500 منصب شغل مباشر وغير مباشر، وفق الأرقام المتداولة من طرف الفاعلين الاقتصاديين بالجهة.
وتبرز القراءة المتأنية للتسلسل الزمني للأحداث أن الأزمة التي عرفتها “سيكوم” لم تكن وليدة مرحلة واحدة، بل جاءت نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، وهو ما يجعل تحديد المسؤوليات موضوعاً يحتاج إلى استحضار مختلف الوقائع والوثائق، بعيداً عن الاختزال أو التوظيف السياسي.
وفي ظل احتدام المنافسة الانتخابية، يبقى الاحتكام إلى الوثائق الرسمية، والبيانات النقابية، والتسلسل الزمني للأحداث، السبيل الأكثر مهنية لفهم هذا الملف، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو السرديات التي قد تُبنى على جزء من الوقائع دون غيرها.
ويبقى ملف “سيكوم” واحداً من أبرز الملفات الصناعية التي طبعت تاريخ مدينة مكناس، كما يظل مثالاً على تعقيد قضايا المقاولات الكبرى، حيث تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والنقابية والسياسية، بما يجعل أي قراءة موضوعية لها رهينة بالوقائع الموثقة لا بالخطابات الظرفية.
تنويه:
وتجدد جريدة “المشاهد” التزامها بخطها التحريري القائم على المهنية والحياد والاستقلالية، مؤكدة أن صفحاتها ومنصاتها الإعلامية تظل مفتوحة أمام جميع الأطراف المعنية، لممارسة حق الرد والتوضيح وتقديم وجهات نظرها، وفق الضوابط القانونية وأخلاقيات المهنة، بما يضمن حق القارئ في الوصول إلى المعلومة المتوازنة والدقيقة.