محمد بوسلهام «شكيب».. ريشة سوسية طافت العالم وتجاهلها الوطن!
متابعة: بوجندار________ عزالدين.
بدأ خطاطاً في تزنيت، وعُرضت أعماله في أوروبا وكندا، ويُقاوم النسيان بجداريات مدرسية في أكادير.
في الوقت الذي تصارع فيه الهويات المحلية من أجل البقاء في عالم رقمي كاسح، يقف الفنان العصامي المغربي محمد بوسلهام “شكيب” كحارس أمين لـ “تامغريبيت”، محولاً تفاصيل موروث منطقة سوس إلى لغة بصرية كونية. غير أن المسافة بين توهج أعماله في كندا وأوروبا وخفوت حضورها في قاعات العرض الوطنية، تكشف عن فجوة يسيل منها حبر العتاب والمساءلة حول آليات الاعتراف والتوثيق الفني في المغرب.
لم يكن “شكيب” مجرد عابر في عالم الألوان، بل بدأت رحلته من مدرسة الصبر والتأني: فن الخط. في أزقة تزنيت الساحرة خلال سبعينيات القرن الماضي، كان يروض الحرف العربي ويمنحه طاقة إشهارية وبصرية على اللافتات. هذا التكوين العصامي الصارم منح يده دقة جراح، وعينه حساسية هندسية، مما مهد لانتقاله السلس نحو النحت والسينوغرافيا والتشكيل، لاسيما بعد احتكاكه بمدارس أجنبية من خلال اشتغاله مع شركة هولندية متخصصة في الديكور؛ وهي المحطة التي صقلت أدواته وحولته من خطاط محلي إلى مبدع بمواصفات دولية.
إن عبقرية “شكيب” تكمن في تحويل الفولكلور إلى كوزمولوجيا. لوحاته ليست مجرد محاكاة فوتوغرافية، بل هي دراسة أنثروبولوجية حية تنبض بالرموز:حركية الفانتازيا والتبوريدة: حيث صهيل الخيل يترجم توق الإنسان المغربي للحرية.إيقاع أحواش والروايس: تجسيد بصري للأصوات الجماعية والنغمات الأمازيغية الضاربة في القدم.شجرة الأركان: رمز الصمود والارتباط العضوي بالأرض السوسية.هذه التوليفة لم تكن موجهة للاستهلاك المحلي؛ لقد نجح “شكيب” في فك شفرات الخصوصية المغربية ليجعلها مفهومة وجاذبة للمتلقي الغربي في مونتريال، باريس، بروكسيل، وأمستردام. لقد طافت لوحاته فضاءات عالمية، حاملة معها عبق الجنوب المغربي ودفء شمسه.
تطرح مسيرة هذا الفنان سؤالاً حارقاً يؤرق المشهد الثقافي المغربي: كيف لعصاميٍّ أن يغزو قاعات العرض في أوروبا وكندا، بينما تظل أبواب الرواق الوطني موصدة في وجهه؟إنها مأساة تختزل واقع غياب “دبلوماسية ثقافية داخلية” تنقب عن الكنوز الحية في الهوامش وخارج المؤسسات الرسمية. بينما يواصل الفنان اليوم، بنبل شديد، إنجاز جداريات تربوية في مؤسسات أكادير التعليمية عملاً بمبدأ “الفن للجميع”، يبدو أن المؤسسة الثقافية الرسمية ما زالت تمارس نوعاً من “السهو غير المبرر” في حق قامة فنية نقلت هويتنا إلى ما وراء البحار.
ليست القضية مجرد معرض تشكيلي تأخر تنظيمه، بل هي معركة لتوثيق الذاكرة البصرية الوطنية. إن إنصاف محمد بوسلهام “شكيب” هو إنصاف لمدينة تزنيت ولجهة سوس ماسة، واعتراف صريح بأن العالمية لا تمر بالضرورة عبر صالونات النخبة، بل تنبع من أصالة الهامش. لقد حان الوقت لتفتح المتاحف والأروقة الوطنية أبوابها لتعود طيور “شكيب” المهاجرة إلى وكرها الأصلي، ليرى المغاربة كيف رسم هذا المبدع ملامحهم بعيون عالمية.
