بيزنس الأوجاع”: كيف تُطبخ فواتير المصحات على نار “التخويف” الهادئة؟
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
متابعة: أبو____سكينة/ الامازيغي
بين العلاج والاستثمار: قراءة في كلفة الاستشفاء وتحديات الفوترة بالمصحات الخاصة
بينما يئن المريض من وجعه، وتتقطع أنفاس ذويه خوفاً عليه، تدور في صالونات بعض المصحات الخاصة بمراكش وغيرها من المدن، محركات “آلات حاسبة” لا تعرف الرحمة. هنا، لم يعد المريض مجرد حالة إنسانية تحتاج العلاج، بل تحول في نظر “أصحاب البدلة البيضاء” إلى “رقم معاملاتي” يجب استخلاص أقصى الأرباح منه قبل مغادرته باب المصحة.
تبدأ اللعبة بعبارة مدروسة بعناية: “الحالة لا تحتمل (حلتك خطيرة)، يجب حجز غرفة فوراً للمراقبة”. يجد المواطن نفسه مجبراً على المبيت ليلة أو ليلتين أو أكثر قبل العملية تحت ذريعة “التحضير الطبي”، في غرف قد يصل سعرها إلى 800 أو 1000 درهم لليلة الواحدة، وهي في الواقع لا تقدم خدمة طبية تذكر سوى “سيروم” رخيص أو قياس ضغط روتيني. إنها “الفندقة الطبية القسرية” التي تهدف لملء الغرف الفارغة وضمان تدفق السيولة، حتى لو كان المريض قادراً على المجيء من بيته صباح يوم الجراحة.
إذا كانت الإقامة استنزافاً، فإن ما يحدث داخل “بلوك” العمليات هو “السرقة المشرعنة”. يعمد بعض أصحاب المصحات، بتواطؤ صامت، إلى ممارسة سياسة “النفخ في الفاتورة” عبر طرق ملتوية:
فوترة “الأشباح”: إضافة مستلزمات طبية (خيوط، شاش، معقمات) بكميات خيالية لا يمكن لعقل بشري تصديق استهلاكها في عملية واحدة.
تعدد المتدخلين وهمياً: أحياناً تُفاجأ بوجود اسم طبيب تخدير أو مساعد لم تره عيناك، ومع ذلك تُدرج “أتعابه” في الفاتورة النهائية.
سوق “البياس”: تضخيم ثمن اللوازم الطبية (مثل البراغي أو المفاصل الاصطناعية أو الصمامات) بنسب تتجاوز 200% عن ثمنها الحقيقي، في غياب تام لمراقبة الأسعار داخل هذه المؤسسات.
يستخدم بعض الأطباء لغة “الترهيب” بدلاً من “الترغيب”. يتم تصوير العملية البسيطة على أنها “إنجاز إعجازي” استلزم تقنيات خاصة، وذلك لتبرير “النوار” (المبالغ غير المصرح بها) أو لتبرير تضخيم أتعاب الجراحة. هذا “المكر المهني” يضع المريض وعائلته في زاوية ضيقة؛ فإما الدفع صاغراً أو مواجهة مصير مجهول تحت وطأة الخوف من الموت.
إن ما يحدث في ببعض المصحات بمراكش يعكس غياباً صارخاً لآليات المراقبة من طرف وزارة الصحة ومجالس هيئة الأطباء. القوانين موجودة على الورق، لكن في الواقع، يظل “شيك الضمان” (الممنوع قانوناً) هو الحاكم الفعلي، وتظل الفاتورة “لغزاً” يصعب على المواطن العادي فك شفراته.
إن القطاع الخاص شريك أساسي في المنظومة الصحية، لكن حين يتحول الطب من رسالة إنسانية إلى “جزارة عصرية” تستهدف جيوب الفقراء والمتوسطين، وجب دق ناقوس الخطر. إن “نفخ الفواتير” و”الاستشفاء القسري” ليسا مجرد مخالفات إدارية، بل هما طعنة في قلب الثقة بين المواطن ومنظومته الصحية.
وفي “قاع الخابية” حيث تُدفن الأسرار، لا يتوقف الجشع عند حدود نفخ الفواتير أو “الفندقة القسرية”، بل يتجاوز ذلك إلى منطقة مظلمة يُندى لها الجبين؛ حيث يتحول “الخطأ الطبي” في بعض المصحات من هفوة بشرية واردة إلى “نهج مُتعمد” أو نتيجة إهمال مقصود للرفع من كلفة العلاج. ففي غياب الضمير، قد يتم التغاضي عن تعقيم كافٍ أو استعجال في إجراء جراحي، ليجد المريض نفسه غارقاً في “مضاعفات” لم تكن في الحسبان، تستدعي بقاءه أسابيع إضافية في الإنعاش وخضوعه لعمليات “تصحيحية” تُحسب كل دقيقة فيها بآلاف الدراهم.
إنها المقامرة بالأرواح في سوق النخاسة الطبية؛ حيث يُترك المريض يصارع الموت ليس بسبب المرض، بل بسبب “أخطاء” تُرتكب ببرودة دم، ثم تُغلف بعبارات “القضاء والقدر” لإخفاء معالم الجريمة التجارية. وعندما يطالب ذوو الضحية بالحقيقة، يصطدمون بجدار “التضامن المهني” السلبي وبفواتير خيالية تُطالبهم بأداء ثمن الأخطاء التي ارتكبتها المصحة في حق جسد فقيدهم أو مريضهم.
إن إصلاح هذا القطاع لن يتأتى بالشعارات، بل بضرب يد من حديد على “لوبيات” جعلت من أجساد المغاربة حقلاً للتجارب ومن جيوبهم آباراً للنفط. فإلى متى سيظل المريض “رهينة” تحت رحمة مصحات تبيع الحياة بالتقسيط المريح، وتمنح الموت في فاتورة منفوخة؟