لماذا يرى المواطن “السراب” فيما تراه الحكومة “إنجازاً”؟
تحقيق: بوجندا _____عزالدين/مدير النشر
حكومة أخنوش: هل هي “دولة اجتماعية” أم “مقاولة سياسية”؟
دخلت الحكومة المغربية الحالية ولايتها بشعارات براقة تمحورت حول “الدولة الاجتماعية” وتنزيل مخرجات “النموذج التنموي الجديد”. ومع مرور الوقت، يجد المتتبع نفسه أمام مشهد ثنائي القطب: منجزات هيكلية كبرى على الورق، وأزمات معيشية خانقة في الواقع. فهل نجحت الحكومة في ردم الفجوة بين خطابها والواقع المعيش؟
في بداية الولاية، قدمت الحكومة برنامجاً طموحاً تضمن 10 التزامات كبرى، أبرزها:
1_ إحداث مليون فرصة شغل صافية خلال 5 سنوات.
2_ رفع معدل نشاط النساء إلى أكثر من 30%.
3_ إخراج مليون أسرة من الفقر والهشاشة.
4_ تحسين جودة التعليم والخدمات الصحية.
رغم أن الحكومة تفتخر بتنزيل ورش “الحماية الاجتماعية” وتعميم التغطية الصحية، إلا أن المواطن يشتكي من “تآكل القدرة الشرائية”.
التضخم: سجلت أسعار المواد الغذائية والمحروقات مستويات قياسية غير مسبوقة، مما جعل الزيادات في الأجور (عبر الحوار الاجتماعي) تبدو “رمزية” ولا تمتص غلاء المعيشة.
البطالة: كشفت مندوبية التخطيط عن أرقام مقلقة، حيث لامس معدل البطالة مستويات مرتفعة (خاصة بين الشباب والوسط القروي)، مما يضع وعد “مليون فرصة شغل” أمام امتحان عسير.
تؤكد التقارير الدولية (صندوق النقد والبنك الدوليين) صمود الاقتصاد المغربي وقوة توازناته الكبرى. لكن استقصاء الآراء في الأسواق الشعبية والشوارع يكشف عن “فجوة واضحة”:
الخطاب الحكومي: يركز على جلب الاستثمارات الأجنبية، نجاح صفقات الطيران والسيارات، والتحضير لمونديال 2030.
الواقع المعيش: يواجه المواطن أزمة جفاف هي الأقسى منذ عقود، أدت إلى ندرة المياه وغلاء المنتجات الفلاحية، وسط اتهامات للحكومة بالفشل في ضبط الوسطاء والمضاربين.
بينما تتحدث الحكومة عن “خارطة طريق” لإصلاح التعليم وثورة في قطاع الصحة، شهدت الساحة التعليمية إضرابات تاريخية شلت المدارس لشهور، كما يواجه قطاع الصحة تحديات تتعلق بهجرة الأطر الطبية وضعف البنيات التحتية في المناطق النائية. هذا التوتر يؤكد أن “جودة الخدمات” لا تزال بعيدة عن طموحات المغاربة.
المؤشرات الاقتصادية “التقنية” تميل لصالح الحكومة في جوانب الاستثمار والمديونية، لكن “المؤشر الاجتماعي” يسجل تراجعاً في ثقة المواطن. الفجوة بين الخطاب والواقع لم تعد مجرد وجهة نظر سياسية، بل حقيقة تعكسها أرقام “البارومتر” الاجتماعي التي تشير إلى أن الوعود الانتخابية اصطدمت بإكراهات جيوسياسية ومناخية، وبضعف في التواصل الحكومي المباشر مع هموم الناس.
يبقى السؤال المطروح في النصف المتبقي من الولاية: هل تمتلك الحكومة الجرأة لمراجعة أولوياتها وتوجيه ثمار النمو مباشرة إلى “قفة” المواطن البسيط، أم سيظل خطاب “الدولة الاجتماعية” شعاراً مع وقف التنفيذ؟
في نهاية المطاف، لا يمكن إنكار أن الحكومة تملك “دفتر هندسة” طموحاً يسعى لبناء مغرب المستقبل عبر مشاريع كبرى واستثمارات ضخمة، لكنّ الحقيقة التي لا تُخطئها عين هي أن هذه “الهندسة” لم تنجح بعد في تأمين “دفء المعيش” لعموم المغاربة. إن الفجوة بين صالونات الرباط المكيّفة وبين أسواق الهوامش الشعبية ليست مجرد خلل في التواصل، بل هي “شرخ” في الثقة يحتاج إلى ما هو أكثر من الوعود.
لقد علّمتنا التجارب السياسية أن الحكومات لا تُقاس بمدى جودة مخططاتها في الأوراق، بل بمدى أثر تلك المخططات على “قفة” المواطن البسيط وكرامة عيشه. وإلى أن تتقاطع أرقام النمو مع القدرة الشرائية، سيظل خطاب “الدولة الاجتماعية” بالنسبة للكثيرين مجرد “صدى” جميل في وادٍ سحيق، ينتظر لحظة الحقيقة ليتحول من “أمل انتخابي” إلى “واقع ملموس” يقي الناس غوائل الزمن وغلاء المحن.