حرفة “اليد” في زمن “التيك توك”: مغاربة يطاردون “الهمزة” وأفارقة يملكون “الحرفة”.

0 49

بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر

المقال التاني والثلاثين بعد ثلاثمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان : نزيف الحِرف: عندما يتحول “الصنايعي” المغربي إلى عملة صعبة في أوروبا و”مفقودة” في بلده.

 

بينما يرتفع ضجيج الرافعات في سماء المدن المغربية استعداداً لمونديال 2030، يخيّم صمتٌ مقلق في “الموقف” (مكان تجمع العمال)؛ المقاولون يطاردون “المعلمين” بالهواتف، وأصحاب الورشات يعرضون أجوراً تضاعفت مرتين، لكن الرد غالباً ما يكون: “لا يوجد أحد”.

تُشير أرقام المندوبية السامية للتخطيط (2024-2025) إلى مفارقة صادمة: معدل بطالة يقترب من 13.7% على المستوى الوطني، ويتجاوز 35% بين الشباب [1.10، 1.4.2]، ومع ذلك، تئن قطاعات البناء، النجارة، والترصيص من “عجز حاد” في اليد العاملة. فأين اختفى الشباب المغربي؟

التحول الأبرز يكمن في فئة واسعة من شباب اليوم الذين لم يعودوا يرون في “الحرفة” وسيلة للترقي الاجتماعي. بالنسبة لجيل نشأ في عصر “التيك توك” و”المؤثرين”، أصبحت مهن البناء والصباغة مرتبطة في ذهنية الكثيرين بـ “الميزيريا” (البؤس) والتعب الجسدي المضني الذي لا يقابله “برستيج” اجتماعي.

اقتصاد “الكورسا” (التوصيل): فضّل آلاف الشباب العمل كدراجين في شركات توصيل الطلبات أو تطبيقات النقل الذكي. هي مهن توفر “حرية” وهمية، وهنداماً نظيفاً، ودخلاً يومياً فورياً، بعيداً عن غبار الإسمنت أو روائح الدهان.

 

البحث عن “الضربة”: يسود بين فئة من الشباب فكر “الربح السريع” عبر الإنترنت أو التجارة الإلكترونية، حتى لو كان الدخل غير مستقر، مفضلين ذلك على قضاء سنوات في تعلم أصول “النجارة” أو “الزليج”.

هناك فئة مخيفة في الإحصائيات المغربية تُعرف بـ NEET (شباب لا يدرسون، لا يعملون، ولا يتابعون أي تكوين)، ويقدر عددهم بنحو 4.3 مليون شاب وشابة.

هؤلاء ليسوا بالضرورة عاطلين يبحثون عن عمل، بل هم شباب “خارج المنظومة” تماماً. جزء كبير منهم فقد الثقة في الجدوى من تعلم حرفة يدوية بسبب غياب الحماية الاجتماعية (التغطية الصحية والتقاعد) التي كانت تفتقر إليها هذه المهن لسنوات طويلة، قبل الإصلاحات الأخيرة.

لم يعد “الحراكة” اليوم يضمون فقط اليائسين، بل أصبح “المعلم” الماهر (الكهربائي، السباك، اللحام) هو الهدف الأول لشبكات الاستقطاب الأوروبية.

عقود العمل القانونية: دول مثل ألمانيا وإسبانيا خففت قيود الهجرة للحرفيين. الشاب الذي كان يشتغل “صباغاً” في الدار البيضاء بـ 150 درهماً لليوم، يجد نفسه مطلوباً في أوروبا براتب يبدأ من 1800 يورو. هذا “النزيف المهني” أفرغ السوق المحلية من خيرات سواعدها.

 

المغرب حالياً عبارة عن ورش بناء مفتوح. المشاريع القومية (الملاعب، الطرق السيار، محطات التحلية) تعمل كمغناطيس عملاق؛ فهي توفر للعمال عقوداً شبه مستقرة وتأميناً وحقوقاً لا يجدونها عند “المقاول الصغير” في الأحياء. هذا أدى إلى جفاف المنابع عن أوراش البناء الخاصة والمهن الصغرى.

رغم مجهودات مكتب التكوين المهني (OFPPT)، إلا أن هناك “هوة” بين ما يتعلمه الشاب في المعاهد وبين واقع “المرطوب” و”النجارة” في الورشة. المقاولون يشتكون من أن الخريجين الجدد يمتلكون “نظرياً” المعرفة، لكنهم يفتقرون للصبر والتحمل الميداني، مما يجعلهم ينسحبون من الأسبوع الأول.

ما يحدث في المغرب ليس مجرد “كسل” شباب، بل هو إعادة تشكل لخارطة الشغل. الشباب اليوم يطلب “الكرامة القانونية” (عقد، تغطية صحية، ساعات عمل محددة) قبل الأجر.

الحرفة التي كانت تُورث من “المعلم للصانع” انقطعت سلسلتها؛ لأن “المعلم” القديم لم يعد يشجع ابنه على اتباع مساره، والشاب الجديد يرى مستقبله خلف شاشة هاتف أو وراء حدود البحر.

 

في “قاع الخابية” نجد حقيقة مُرة: المغرب الذي كان يُصدّر “الصنايعية” والحرفيين إلى مشارق الأرض ومغاربها، يجد نفسه اليوم أمام أوراش “يتيمة” من أبنائها. فبينما اختار الشاب المغربي أن يعلق مئزره ويطارد سراب “الربح السريع” خلف الشاشات، أو يحزم حقائبه بحثاً عن “يورو” وراء البحار، لم تبقَ المطارق والمناشير صامتة طويلاً.

اليوم، إذا تجولت في أوراش الدار البيضاء، طنجة، أو أكادير، ستسمع لكنات فرنسية وإنجليزية ولهجات من عمق إفريقيا جنوب الصحراء تختلط بصوت آلات الحفر. “موسى” و”إبراهيم” القادمون من السنغال، مالي، وكوت ديفوار، لم يعودوا مجرد عابري سبيل، بل أصبحوا هم “المعلمين” الجدد في صباغة الجدران، وترصيص الأنابيب، وحمل أكياس الإسمنت التي استنكف عنها ابن البلد.

هذا “الإحلال” ليس مجرد تغيير في الوجوه، بل هو زلزال اجتماعي صامت؛ فاليد العاملة الإفريقية، التي تمتاز بالصبر والقبول بأجور قد يراها الشاب المغربي “إهانة”، سدت الثقوب التي تركها نزيف الهجرة وعزوف الشباب المحلي. لقد أصبح “الضيف الإفريقي” هو المحرك الخفي الذي يضمن أن تكتمل أسقف بيوتنا في موعدها، في وقت انشغل فيه شبابنا بانتظار “الهمزة” أو “الفيزا”.

 

المفارقة المحزنة هي أن المغربي الذي “يأنف” من حمل “البرويطة” في بلده، هو نفسه الذي قد يحملها في ورش بناء بضواحي مدريد أو باريس. ما يحدث اليوم هو إعادة رسم لهوية “تمارة” في المغرب؛ حرفة “المعلم” بدأت تفقد لسانها الدارجي لتتحدث بلسان إفريقي، وبينما ننتظر عودة شبابنا إلى صوابهم المهني، تكون “الحرفة” قد انتقلت مفاتيحها فعلياً لمن قدّر قيمتها واستوطن أوراشها.

السؤال الذي يبقى عالقاً في ذهن كل مقاول: هل سيأتي يوم نُدرّس فيه “الزليج” و”الجبص” المغربي لأبنائنا باللغة الفرنسية لأن “المعلمين” الأجانب صاروا هم حراس الذاكرة المهنية؟

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.