خفيف ظريف: “الزنقة ديال بَّا”
بوجندار______عزالدين/ مدير نشر.
متابعة____أمال__ لقرافي
إذا قادتك الأقدار هذه الأيام وقررت القيام بنزهة مشياً على الأقدام في أحد أزقة مدننا العزيزة، فنصيحتي لك أن ترتدي حذاءً رياضيًا متينًا، وتأخذ معك خوذة رأس، وربما بوصلة! فالأمر لم يعد يتعلق بجولة في فضاء عام، بل بمسابقة تخطي الحواجز في “حلبة عشوائية” مفتوحة على كل المفاجآت. بقدرة قادر، تحولت أزقتنا وشوارعنا المشتركة إلى ملكيات خاصة، يطبق فيها كل مواطن قانون “شرع اليدين” ولسان حاله يقول: “الزنقة ديال با، وأنا حر فيها!”.
تبدأ الحكاية من عتبة البيوت؛ حيث لم يعد بعض المواطنين يكتفون بحدود جدرانهم المحفظة، بل قرروا تمديد نفوذهم الإمبراطوري إلى وسط الشارع. تجد أحدهم قد وضع مزهريات إسمنتية ضخمة وكأننا في حدائق بابل المعلقة، والهدف طبعًا ليس تزيين الحي أو إضفاء لمسة بيئية، بل “حجز” مكان لسيارته المصونة، ومنع أي “براني” من الاقتراب من جدار منزله. وتجد آخر قد مد سياجًا حديديًا مشبكًا، وثالثًا وضع سلاسل وأقفالاً غليظة، لدرجة تخال معها أنك لست أمام منزل عادي، بل أمام “منطقة عسكرية مغلقة” تفرض تأشيرة للمرور!
أما إذا نجوت من المزهريات والسلاسل، فستصطدم حتمًا بـ “إبداع الهندسة الشعبية”: “الدودانات” العشوائية! فجأة، يقرر أحد الساكنة – بغيرة مفرطة على سلامة الأطفال أو رغبة في الانتقام من أصحاب الدراجات النارية – أن يتحول إلى مهندس طرقات. يحضر كيس إسمنت وبعض الحصى، ويبني “جبلًا” صغيراً في وسط الزقاق بدون ترخيص ولا معايير تقنية. “دودانات” مرتجلة، بعضها حاد كالسيف وبعضها مرتفع كالتل، تتسبب في تدمير هياكل السيارات و”جرجرة” سيارات الإسعاف التي قد تقودها الأقدار لإنقاذ مريض في ذلك الحي. الكل أصبح يشرّع ويخطط ويبني وسط غياب تام لأي حس جماعي.
ولكي تكتمل لوحة “السيبة” البصرية، تفرش في الأزقة هياكل “التريبورطورات” المصدية، وكراريس بيع الخضر المهجورة، والعربات اليدوية التي أصبحت جزءًا من أثاث الشارع وتاريخه. أطنان من الحديد والخشب تحتل مساحة الراجلين وسائقي السيارات، والجميع يشتكي ويتذمر، لكن لا أحد يتحرك.
والسؤال “الخفيف الظريف” الذي يطرح نفسه هنا: أين هم حماة الملك العمومي؟ أين هي الجماعات الترابية والسلطات المحلية التي يملك أعوانها “رادارات” خارقة تلتقط ياجورة واحدة يضعها مواطن بسيط داخل بيته، بينما تصاب بالعمى التام (عين ميكة) أمام احتلال أزقة كاملة وبناء مطبات إسمنتية على مرأى ومسمع من الجميع؟
المشكل يا سادة، أننا أصبحنا نعيش تحت رحمة “الحملات الموسمية”. يخرج “القايد” وأعوانه في موكب مشهود، يحررون رصيفًا هنا وزقاقًا هناك، تلتقط الصور، وتنشر على صفحات الفيسبوك تحت عنوان “تحرير الملك العمومي”. لكن، بمجرد أن تعود سيارات السلطة إلى مقراتها، يعود “الزحف المقدس” للمزهريات والسلاسل والدودانات إلى مكانه، وكأن شيئًا لم يكن!
الزنقة والشارع ملك مشترك، وحق التنقل بحرية وأمان ليس امتيازًا يمن به جار على جاره، بل هو أصل القانون والنظام العام. استمرار هذا الوضع لا يسيء فقط لجمالية مدننا، بل يعكس غياب هيبة القانون وتراجع قيم العيش المشترك.
نصيحة “خفيفة ظريفة” لبعض جيراننا الأعزاء: ارفعوا أيديكم وسلاسلكم ومزهرياتكم عن شوارعنا، فالمواطنة الحقيقية تبدأ من احترام حق الآخر في المرور، والملك العمومي ليس إرثًا عائليًا يمكن تسييجه بالزفت والإسمنت!