سقطة “المايو” والمنصة.. هبوط اضطراري لخطاب النخبة السياسية”
متايعة: بوجندار________ عزالدين.
سياسة “التحلايقيت”!”
لم يعد مستغرباً في المشهد الحزبي الحالي أن تتحول المنصات الرسمية، التي يُفترض أن تُناقش فيها هموم المواطن واستراتيجيات التنمية، إلى مسارح لـ “القفشات” الشعبوية والتعبيرات المستوحاة من جلسات المقاهي ومواسم الترفيه العفوية. آخر فصول هذا التراجع اللغوي والتواصلي، تجسد في الخرجة الإعلامية المثيرة للجدل للقيادية الحزبية والوزيرة، التي اختارت مدح فوزي لقجع، خلال لقاء حزبي بإقليم تاونات، بعبارة تداولتها الألسن بكثير من الاستهجان: “مكيتلاحش بلا مايو”.
هذه العبارة، وإن حاول البعض إدراجها في سياق “المجاز المراكشي” العفوي أو الدعابة السياسية، تفجر أسئلة حارقة حول حدود اللياقة، ومستوى الانحدار الذي بلغه الخطاب السياسي في تدبير الشأن العام بالمغرب.
إن الوظيفة الأساسية لأي فاعل سياسي، خاصة عندما يجمع بين قيادة حزب عريق ومنصب وزاري حساس، هي الارتقاء بالوعي الجماعي وصياغة تطلعات المواطنين بلغة رصينة تعكس هيبة المؤسسات التي يمثلها. إن النزول بالخطاب السياسي إلى لغة “الزقاق” أو توظيف عبارات ذات إيحاءات تثير السخرية والاستنكار، لا يمثل تقرباً من المواطن البسيط كما يتوهم البعض، بل هو استسهال مهين لذكائه، وضرب لـ “برستيج” العمل الحزبي المسؤول.
عندما يتحدث المسؤول من فوق منصة رسمية بلغة الشاطئ و”المايوهات”، فإنه يرسخ انطباعاً سلبياً مفاده أن العمل السياسي في المغرب تحول إلى مجرد “منولوج” ترفيهي أو “تحلايقيت” تفتقر إلى النضج المؤسساتي. إن المغاربة لا ينتظرون من قادتهم السياسيين قفشات كوميدية، بل ينتظرون حلولاً عملية لأزمات البطالة، التعليم، الصحة، والقدرة الشرائية.
الخطير في هذه الواقعة لا يتوقف عند حدود اللفظ المستعمل ومستوى بسالته تواصلّياً، بل يمتد إلى بنية التفكير السياسي الحزبي. فبدل أن تُبنى الإشادة بالمسؤولين والشركاء السياسيين بناءً على المؤشرات الرقمية، حصيلة المنجزات، والكفاءة في تدبير القطاعات، يتم اللجوء إلى منطق “التبندير” اللغوي القائم على ثقافة التملق والمدح “الزنقاوي.
إن القول بأن مسؤولاً ما “لا يلقي بنفسه دون لباس بحر” يُراد به الإشادة بالدهاء والذكاء والتحوط، لكن التعبير خانه التوفيق التام وسقط في قاع الرداءة اللفظية التي رفضها الرأي العام واعتبرها قلة احترام لجمهور الحاضرين والمتابعين. هذا الأسلوب يؤكد مجدداً أن جزءاً من النخبة السياسية يعيش عزلة حقيقية عن نبض الشارع، وعاجز عن صياغة خطاب إقناعي جاد يستقطب العقول بدل أن يستدر الضحكات الباهتة.
المغرب اليوم، وهو يواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبرى، في غنى تام عن هذا النوع من “البوز” التواصلي السلبي. إن الرأي العام المغربي الذي عبّر عن غضبه من هذه السقطة اللفظية يبعث برسالة واضحة إلى كل الفاعلين الحزبيين: كفى من تمييع العمل السياسي، وكفى من تحويل اللقاءات الحزبية إلى جلسات لتبادل النكات والعبارات السوقية.
إن إعادة الاعتبار للمشهد السياسي تقتضي أولاً وقبل كل شيء، إعادة التربية اللغوية للخطاب الحزبي، والالتزام بحد أدنى من الوقار والمسؤولية. فالمنصات الحزبية وُجدت لإنتاج الأفكار والمشاريع والمواقف، وليس للتراشق بعبارات السباحة والاصطياف. متى يدرك سياستنا أن المغاربة يريدون برامج تحميهم من الغرق، ولا يهمهم من يملك “المايو” ومن لا يملكه؟
إن المسؤولية الأولى والأخيرة في وضع حد لهذا التمييع اللفظي والسياسي تقع على عاتق المواطن المغربي وحده. فصناديق الاقتراع ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي محكمة شعبية يملك فيها الناخب سلطة العقاب والتزكية؛ وسواء اختار المواطن التصويت وضخ دماء جديدة قادرة على صيانة وقار المؤسسات، أو اختار الامتناع وترك الكرسي فارغاً، فإنه في الحالتين يساهم في تشكيل الخريطة التي تفرز مثل هذه النخب.
إن الصمت السلبي والامتناع عن المشاركة يمنحان بالضرورة تذكرة العبور لمن يستسهلون ذكاء الشعب، ويفتحان أبواب البرلمان والحكومة أمام خطابات “القفشات” والاستعراض الهابط.لقد حان الوقت ليدرك المغاربة أن كرامة المشهد السياسي من كرامة اختياراتهم؛ فمن يقبل بتفويض صوته بالتزكية أو بالترك لمن لا يملك نضجاً لغوياً ولا برنامجاً تنموياً، لا يلومنّ إلا نفسه حين يرى قضاياه المصيرية تُقاد بمنطق “المايو” والاصطياف. إن قبة البرلمان ومقاعد تدبير الشأن العام تحتاج إلى قامات تزن الكلمة بميزان المصلحة العليا للوطن، والكرة اليوم في مرمى المواطن لفرز نخب تحترم ذكاءه، أو الاستمرار في مشاهدة عرض مسرحي رديء يدفع الجميع ثمن تذكرته من قوتهم اليومي وكرامة مؤسساتهم.