معادلة الوعي المدني: كيف نوازن بين الدفاع عن الوطن ونبل التضامن؟

0 3

متابعة: بوجندار _______عزالدين.

 

تضع التحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة السياسية والمدنية في المغرب مسألة “ترتيب الأولويات” تحت مجهر النقد والتحليل. إذ يُثير الانخراط المكثف لبعض الفاعلين في قضايا عابرة للحدود، تساؤلات جوهرية حول مدى التوازن بين الالتزام القومي والإنساني من جهة، والوفاء للملفات الوطنية المصيرية من جهة أخرى. إن المصداقية في العمل العام لا تتجزأ، وهي تنطلق بالضرورة من الانحياز المبدئي لقضايا الوطن أولاً، وقبل أي اعتبار آخر.

يمر المغرب بمنعطف تاريخي حاسم يفرض تعبئة وطنية شاملة وغير مشروطة، وتأتي على رأس هذه الملفات:

● قضية الصحراء المغربية: تُعد النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، والمعيار الحقيقي لقياس صدق المواقف السياسية والمدنية.

● العدالة الاجتماعية والمجالية: تتطلب انخراطاً ميدانياً مستمراً لتقليص الفوارق ودعم الفئات الهشة.

● النمو الاقتصادي المستدام: يستلزم رص الصفوف الداخلي لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية وكسب رهان التنمية البشرية.

 

إن الدعم المغربي للقضية الفلسطينية موثق بمواقف تاريخية حاسمة، تجمع بين البعدين الرسمي والشعبي:

●دعم متجذر: تتبناه المملكة قيادة وشعباً بوعي مسؤول، بعيداً عن المزايدات أو التوظيف الإيديولوجي.

● لجنة القدس: يترأسها جلالة الملك محمد السادس، وتقدم جهوداً ميدانية ملموسة لحماية الهوية العربية والإسلامية للمدينة ودعم صمود أهلها.

● الوعي بعدالة القضية: نابع من التزام إنساني وأخوي تجاه شعب شقيق يدفع غالياً ثمن صراعات معقدة وأجندات إقليمية.

 

لا يمكن قراءة التضامن مع قضايا الخارج كبديل عن الالتزام بالداخل. فالقانون يكفل حق التعبير والتظاهر السلمي في إطار الضوابط الوطنية، غير أن هذا الحق يحمل في طياته مسؤولية أخلاقية وسياسية:

● الوطن أولاً: يشكل التحصين الداخلي سياسياً، اقتصادياً، واجتماعياً الرافعة الأساسية لأي دور خارجي فاعل.

● التكامل الإنساني: يجب أن يظل التضامن مع الشعوب الأخرى امتداداً طبيعياً لمنظومة القيم المغربية، وليس وسيلة للهروب من استحقاقات البناء الداخلي.

● المسؤولية الوطنية: تقتضي جعل مصلحة المغرب العليا بوصلة موجهة لكل حراك مدني أو سياسي.

إن القوة الحقيقية لأي فاعل مدني تُقاس بمدى قدرته على ملامسة هموم المواطن المغربي اليومية، والترافع عن قضاياه الاستراتيجية.فالوفاء للوطن لا ينفي الإنسانية، لكن الإنسانية الحقة تبدأ من صون البيت الداخلي وتحصينه.

 

إن الرهان الحقيقي اليوم يقع على عاتق الوعي الجماعي للشعب المغربي، الذي أثبت عبر محطات التاريخ أنه يمتلك حساً وطنياً رفيعاً وبوصلة لا تخطئ في التمييز بين النضال الحقيقي والمزايدات الإيديولوجية.

فالشعب المغربي الذي ينبض قلبه مع قضايا الأمة العربية والإنسانية، هو نفسه الشعب الذي يضع مغربية صحرائه وتنمية بلاده فوق كل اعتبار. ومن هذا المنطلق، فإن مصداقية أي حراك مدني تظل رهينة بمدى التحامه مع نبض الشارع المغربي وهمومه اليومية؛ فالشعوب لا تلتفت لمن يعطي ظهره لبيته الداخلي، والوفاء الصادق يتجلى في جعل مصلحة المغرب العليا هي المبتدأ والمنتهى، لأن تحصين الوطن هو الصخرة التي تتحطم عليها كل الأجندات، وهو السبيل الوحيد ليبقى المغرب قويًا، شامخًا، وقادرًا على نصرة القضايا العادلة في العالم.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.