الواقع الميكانيكي.. عيوب ‘المصادقة’ تغرق قطاع الدراجات في الفوضى
متابعة: بوجندار ______عزالدين.
المصادقة على الدراجات النارية بالمغرب: حينما تفرض القوانين التقنية تعديلات اضطرارية لتفادي شلل “السير العادي
تعيش الأوساط المهنية والاقتصادية المرتبطة بقطاع الدراجات النارية بالمغرب حالة من الترقب والجدل القانوني والتقني المستمر، وهو ملف تضعه الفيدرالية الوطنية لكتاب وتجار ومهنيي الدراجات في صلب ترافعها المستمر للدفاع عن القطاع وهيكلته بشكل يضمن حقوق المهنيين والمواطنين على حد سواء. إلا أن النقاش الدائر اليوم يتجاوز مجرد المساطر الإدارية، ليصل إلى عمق مشكل تقني وهيكلي جوهري يمس معايير “المصادقة” الأصلية التي تمنحها الجهات الوصية للمركبات المسموح بسيرها على الطرقات العامة.
إن الإشكال الحقيقي الذي يواجه مئات الآلاف من مستعملي الدراجات النارية من صنف المحركات الصغيرة، وتحديداً تلك المعتمدة سعة 49 سنتمتراً مكعباً، يتمثل في المفارقة الصارخة بين النص القانوني والواقع الميكانيكي التطبيقي؛ فالخصائص التقنية الحالية للمحركات المصادق عليها رسمياً تعاني من عجز بنيوي واضح، حيث لا تقوى القوة الحصانية والعزم الناتج عن محرك بهذه السعة المحدودة على مجاراة الوزن الإجمالي لهيكل الدراجة نفسه، فكيف لها أن تضمن تنقلاً آمناً ومتوازناً للسائق في ظروف السير العادي، والمرتفعات، والمسارات الحضرية المعقدة؟
أمام هذا العجز الهيكلي، يجد المستهلك والمهني أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما ركن المركبة وتعطيل مصالحهم اليومية والمهنية، أو التدخل التقني لإصلاح وتعديل هذا الخلل البنيوي لتمكين الدراجة من مجرد الحركة، وهو ما يجعل مسألة “التعديل الميكانيكي” في هذه الحالة بالذات خطوة اضطرارية أملاها الواقع المادي والفيزيائي، وليس نزوعاً اختيارياً نحو خرق الضوابط.
هذا الوضع يطرح علامات استفهام مهنية مشروعة حول مدى دقة وموضوعية الدراسات التقنية والميدانية الاستباقية التي سبقت عملية اعتماد هذه الطرازات والمصادقة عليها من طرف اللجان والمسؤولين المعنيين؛ فالمصادقة على أي مركبة تفترض حتماً صلاحيتها التقنية الكاملة للمشاركة في حركة السير بشكل طبيعي وآمن، بينما يؤكد الواقع المهني أن الهياكل المعتمدة تتطلب مواصفات حركية تفوق بكثير ما يجود به المحرك الأصلي المرفق بها، مما يوضح وجود فجوة كبيرة بين الجانب النظري التنظيمي والواقع التطبيقي على أرض الواقع.
إن معالجة هذا الملف الشائك لا يمكن أن تتم عبر مقاربة زجرية تعزل النتيجة عن السبب، بل تتطلب بالأساس مراجعة شاملة لدفاتر التحملات ومعايير المصادقة المعتمدة للمركبات المستوردة أو المصنعة محلياً، والتنسيق الوثيق مع الإطارات المهنية الممثلة للقطاع لتصحيح هذه الاختلالات التقنية من منبعها، بما يضمن توفير مركبات صالحة ميكانيكياً وقانونياً للاستعمال دون إجبار المواطن على السقوط في شباك المخالفات التقنية بسبب عيوب تصنيعية وتنظيمية لا دخل له فيها.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في فرض نصوص قانونية معزولة عن الواقع الميكانيكي، بل في شجاعة الجهات المسؤولة ومراجعتها لقرار تعميم هذا القانون الذي يفتقر لأرضية تقنية واقعية.
إن الأولوية القصوى والمستعجلة يجب أن تتجه رأساً وبحزم نحو تطهير الطرقات من المخاطر الحقيقية، عبر التشديد الصارم في مراقبة الدراجات النارية التي تسير بدون تأمين يحمي الأرواح، أو تلك التي يفتقر سائقوها للخوذة الواقية والمرايا العاكسة كأبسط مقومات السلامة. كما وجب الضرب بيد من حديد على كل من يمارس الاستعراضات الطائشة التي تحول الشوارع العامة إلى حلبات موت تهدد سلامة المواطنين.
إن إصلاح القطاع يبدأ من محاربة هذه السلوكات الخطيرة أولاً، وليس بإنفاذ قانون على محركات وُلدت عاجزة ميكانيكياً بفعل اختلالات “المصادقة” الأصلية