خفيف ظريف:شــــــد لي نقطع لك!

0 9

بقلم: أمال ______لقرافي.

 

إذا أردت أن تفهم المعنى الحقيقي لسياسة “تجميع الرؤوس” والتمسك بالرأي على حساب مصالح العباد، فما عليك إلا أن تُطرق أبواب المحاكم الوطنية هذه الأيام؛ هناك تجد صراعاً مفتوحاً وشرساً بين وزارة العدل وأصحاب البذلة السوداء. شدٌّ وجرٌّ، وتصعيدٌ واستعراضٌ للعضلات، في مشاهد تُعطل مرفق القضاء وتترك المواطن المغلوب على أمره يتفرج بمرارة ويندب حظه قائلاً بالدارجة المغربية القحة: “واش غادي تبقاو غير كتشدّو وتجرّو، وحنا اللي غادي نخلصو الثمن؟!”.

 

القصة لم تعد مجرد خلاف في وجهات النظر حول تعديل تشريعي أو مشروع قانون مسطرة؛ بل تحولت إلى معركة إرادات وبلوكاج حقيقي. الوزارة ترى في مشاريعها قفزة نحو تحديث منظومة العدالة وتعزيز الشفافية، بينما يعتبر المحامون أن بعض المقتضيات تضرب في الصميم استقلالية مهنة الدفاع وتفرض الإصلاح بمنطق “فوقي” جاف لا يراعي خصوصيات الحرفة. وبين “أنا عندي السلطة والقانون” و”أنا عندي الشارع والإضراب”، أُغلقت أبواب التوافق ودخل الجميع في حلقة مفرغة من التصعيد والمزايدات.

 

لكن المأساة الكبرى والسريالية القاتلة هي أن الطرف الأكثر تضرراً من هذه المحرقة لا يد له في القانون ولا في المعركة! أمٌّ تنتظر جُلسة للبت في نفقة أبنائها، ومواطنٌ ينتظر حكماً طال أمدُه لسنوات، وتجار ومتقاضون يكتوون بنار تأجيل الملفات وشلل الجلسات. هؤلاء جميعاً لا يهمهم من ينتصر في البلاتوهات أو من يرفع سقف التحدي، كل ما يهمهم هو سؤال بسيط: “فين وصل الملف ديالي، وإمتى غادي ناخذ حقي؟”. فبأي ذنب يُحرم المواطن من حقه في المحاكمة العادلة وآجالها المعقولة ليتحول إلى “رهينة” في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل؟

 

وحتى أصحاب البذلة السوداء – وأنفسهم يعلمون ذلك، ولا سيما شباب المحامين في بداية المشوار – ليسوا رابحين من دوامة الإضرابات المفتوحة؛ فالتعطيل يمس أرزاقهم ومصداقيتهم مع الموكلين. كما أن الحكومة لن تجني شيئاً من نصر شكلي تُمرر فيه قوانين تحت وطأة الاحتقان؛ لأن نجاح أي إصلاح لا يُقاس بعدد أصوات الأغلبية في البرلمان، بل بمدى قابليته للتطبيق على أرض الواقع وبقبول المهنيين الذين سيُجرون عجلته يومياً.

 

ونصيحة “خفيفة ظريفة” للطرفين معاً: هبطو شوية من السقف وتنازلوا لصالح كرامة العدالة! الإصلاح الحقيقي لا يُبنى بمنطق “الغالِب والمغلوب”، والمحاكم أُحدثت لتصون حقوق الناس لا لتكون ساحة لتصفية الحسابات. فاخرجوا من خندق التحدي وعودوا إلى طاولة الحوار العقلاني، فالمواطن لم يعد يحتمل أداء فاتورة صراعاتكم… راه الشفافية والتوافق هما ساس العدالة والمواطن باغي حقه وبس!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.