“الخريف الأوروبي”.. أزمة عابرة أم تصدع بنيوي؟

0 10

متابعة:  بوجندار______ عزالدين.

 

لم تعد شعارات “الرفاه والاستقرار الاجتماعي” قادرة على حجب شمس الغليان الحارق الذي يجتاح الشارع الأوروبي في النصف الثاني من أكتوبر 2026. فالصور والتقارير القادمة من مختلف العواصم لا تدع مجالاً للشك بأننا أمام انفجار بنيوي متزامن؛ تحولت معه مطالب تحسين جودة التعليم وأسعار الخبز إلى مواجهات عنيفة في الميدان بين جيل غاضب ومؤسسات تبدو عاجزة عن ضبط توازنات موازناتها الجافة.

 

هذا التدحرج المتسارع في مدرجات الاحتقان الاجتماعي ينقل القارة العجوز من مرحلة “القلق الاقتصادي” إلى مرحلة “الارتجاج السياسي الشامل”، مما يفرض حاجة ملحة لتفكيك الخلفيات غير المعلنة لهذا الانفجار، واستقراء المآلات التي تنتظر كراسي الحكم في كبريات العواصم الغربية.

 

تتجاوز المشاهد الحالية فكرة “الاحتجاج القطاعي” المعزول، لتتحول إلى جدارية غضب ممتدة تعكس تآكلاً حاداً في القدرة الشرائية للمواطن الأوروبي:

• المقصلة المالية بفرنسا: لم يكن إعلان الحكومة الفرنسية عن مشروع موازنة تقشفي يستهدف خفض العجز بـ 54 مليار يورو ليمر دون ثمن إداري باهظ. فقد تحول الحشد الميداني الذي قادته النقابات والطلاب إلى أرقام صادمة أعلنت معها وزارة الداخلية توقيف أكثر من ألفي متظاهر وإصابة قرابة 600 عنصر أمني، وسط شلل تام لحركة النقل والخدمات الحيوية.

• شبح التقشف الإيطالي والبلجيكي: في روما وميلانو، انتفضت الحركات الطلابية والعمالية ضد حكومة جورجيا ميلوني تحت شعار “يوم لا لميلوني”، احتجاجاً على تجميد المداخيل الحقيقية وتوجيه الإنفاق نحو الدوائر العسكرية على حساب المستشفيات والمدارس. وفي بلجيكا، أدى التلويح باقتطاع المساعدات الاجتماعية إلى مواجهات مباشرة في شوارع بروكسل.

• الانفجار الإيبيري ضد “غول العقار”: في إسبانيا والبرتغال، تحولت أزمة السكن إلى قنبلة اجتماعية موقوتة. فمع قفز أسعار شراء الإيجارات بنسبة قياسية تجاوزت 16% في لشبونة، واجتياح موجات السياحة المفرطة للمدن الإسبانية كمدريد وبرشلونة، وجد المواطن البسيط نفسه عاجزاً عن تأمين أبسط الحقوق الإنسانية: سقف يحميه من الطرد.

 

تواجه الحكومات الأوروبية اتهامات شعبية صريحة بالانفصام التدبيري؛ فبينما يتم فرض إجراءات تقشفية قاسية على المواطنين وتجميد الأجور، وضخ قوانين مالية جافة تمس التعليم والصحة، تسارع هذه الحكومات إلى رصد اعتمادات مالية ضخمة بالمليارات لتغطية نفقات التسلح والالتزامات الدفاعية الإقليمية، مما خلف شعوراً عميقاً بالظلم الاجتماعي لدى الطبقات المتوسطة والفقيرة.

 

توضح المؤشرات الاستقصائية أن القوى السياسية الراديكالية واليمين المتطرف نجحا في توظيف هذا الغليان الشعبي لصالحهما. فبدل فتح نقاشات اقتصادية جادة حول إعادة توزيع الثروة ولجم جشع الشركات العقارية الكبرى، يتم تحوير النقاش وتوجيهه بذكاء نحو ملفات الهجرة، الهوية، وإغلاق الحدود، وهي استراتيجية تهدف إلى تعمية الرأي العام عن الفشل التدبيري الخالص للأحزاب الحاكمة.

 

المفارقة الأكثر خطورة في “الخريف الأوروبي” الحالي هي قناعة جيل الشباب بأن الآليات الديمقراطية التقليدية وصناديق الاقتراع لم تعد قادرة على معالجة واقعهم اليومي. إن بقاء الحد الأدنى للأجور في مستويات متدنية أمام وحش تضخم الأسعار، وتغول الاستثمار الأجنبي المفرط في قطاعات السكن الحيوية، أفرغ مفهوم “الرفاه” من محتواه وحوله إلى امتياز حصري للأثرياء والمضاربين.

 

تؤكد المعطيات الميدانية أن الاحتقان الحالي ليس سحابة صيف عابرة ستنقضي مع تغير الفصول، بل هو مؤشر صريح على نهاية حقبة “المرونة الاقتصادية” بالقارة. إن الاستمرار في تبني معادلة “الوعود المستهلكة” أو الاكتفاء بالمعالجة الأمنية للمظاهرات لن يزيد النيران إلا اشتعالاً.

 

ويبقى المخرج الوحيد للحفاظ على السلم الأهلي هو إحداث مراجعات هيكلية شجاعة: عبر وضع سقف إجباري لأسعار الإيجارات، فرض ضرائب استثنائية على أرباح الشركات الكبرى، وإعادة بوصلة الميزانيات لخدمة قطاعات التعليم، التشغيل، والقدرة الشرائية. وبدون هذه الصحوة التدبيرية، ستظل العواصم

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.