*معركة أنوال.. علامة فارقة في ملحمة التحرير الوطني*

0 1٬091

بوجندار__عزالدين/ المشاهد

متابعة : أبو الاء / الدار البيضاء

 

تُخلِّد المملكة المغربية الذكرى الـ104 لمعركة أنوال الخالدة، كواحدة من أبرز المحطات المضيئة في سجل الكفاح الوطني ضد الاستعمار الأجنبي، والتي تمثل إرثا نضاليا راسخا في وجدان الأمة المغربية، وتجسيدا لقيم التضحية والوطنية التي سطرها أبطال الريف بمداد من المجد.

 

وفي هذا الإطار، ذكرت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بأن شرارة المقاومة انطلقت مبكرا مع القائد الشريف محمد أمزيان، الذي قاد بين عامي 1907 و1912 حركة مقاومة شرسة ضد التوغل الأجنبي في شمال البلاد، خاض خلالها عدة معارك كبرى، قبل أن يسقط شهيدا في ساحة الكرامة يوم 15 ماي 1912.

 

امتدت جذوة المقاومة إلى ما بعد ذلك، حيث تولى المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي مشعل النضال، فبفضل حكمته السياسية وخبرته العسكرية، استطاع توحيد صفوف المجاهدين وتنظيم صفوف المقاومة بأسلوب حديث في التخطيط والتموقع واللوجستيك. وأضحى الريف مركزا لحرب عصابات فريدة من نوعها، أربكت حسابات القوى الاستعمارية وغيّرت قواعد المواجهة.

 

وشكلت معركة أنوال، في يوليوز 1921، ذروة هذا الكفاح الوطني، حين تلقت القوات الإسبانية هزيمة مدوية على يد المقاومين الريفيين. فقد حاول الجنرال”مانويل سيلفستر” بقيادة قوات ضخمة كسر الطوق المفروض على جنوده، غير أن المجاهدين باغتوه بتكتيكات محكمة، انتهت بسقوطه قتيلا إلى جانب الآلاف من جنوده، واغتنام أسلحة ثقيلة كانت بحوزتهم.

 

واعتبرت المندوبية أن هذا الانتصار المفصلي لم يغيّر فقط ميزان القوى في الريف، بل شكل نموذجا ملهمًا لحركات التحرر في العالم، حيث تحول محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى رمز عالمي للمقاومة الشعبية المنظمة.

 

ورغم التحالف الاستعماري بين فرنسا وإسبانيا لاحقًا، ظل المجاهدون صامدين، وتمكنوا من فرض شروطهم في مفاوضات مع القوتين المحتلتين. لكن، أمام اختلال موازين القوة وتزايد الضغط العسكري، قرر الخطابي وضع حد لسفك الدماء وسلم نفسه للقوات الفرنسية صباح يوم 26 ماي 1926، في موقف وطني نبيل وواعٍ.

ومع بداية الثلاثينيات، شهد النضال الوطني تحولا نوعيا بانتقاله من الكفاح المسلح إلى النضال السياسي، ردا على محاولات المستعمر تفكيك النسيج الوطني، كما حدث عند فرض “الظهير البربري” في 16 ماي 1930، الذي سعى لتقسيم المغاربة على أسس عرقية. غير أن الشعب المغربي، بقيادة النخب الوطنية وبتشاور مع جلالة المغفور له محمد الخامس، واجه المؤامرة بيقظة وطنية منقطعة النظير.

وتواصل زخم الكفاح الوطني، من تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال يوم 11 يناير 1944، إلى خطاب طنجة التاريخي في 9 أبريل 1947، حين أعلن جلالة محمد الخامس تمسكه بالسيادة الوطنية من قلب مدينة طنجة، متحدياً السلطات الفرنسية التي حاولت عزله ونفيه.

 

وفي 20 غشت 1953، أقدمت سلطات الحماية الفرنسية على نفي رمز السيادة الوطنية إلى كورسيكا ثم إلى مدغشقر، ظنًا منها أنها ستخمد جذوة المقاومة. لكن العكس حصل، إذ انفجرت الانتفاضات الشعبية في مختلف ربوع المملكة، إلى أن عاد الملك الشرعي من المنفى حاملاً شعلة الاستقلال.

 

وأكدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بهذه المناسبة، على استمرار تعبئتها الكاملة خلف القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، دفاعًا عن الوحدة الترابية وتثبيت المكاسب الوطنية. كما جددت دعمها للمبادرة المغربية المتعلقة بمنح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية في إطار السيادة الوطنية، باعتبارها مبادرة جدية وواقعية تتماشى مع قرارات الأمم المتحدة وتحظى بدعم دولي متنامٍ.

 

وأضافت المندوبية أن إحياء الذكرى 104 لمعركة أنوال يشكل لحظة تأمل عميقة للأجيال الصاعدة، لاستلهام قيم الوطنية والولاء، وتثبيت أسس المواطنة الفاعلة في مواجهة التحديات الراهنة وبناء مغرب الغد تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس.

وفي هذا السياق، تُنظم المندوبية غدًا الإثنين مهرجانًا خطابيا وتكريميا بإقليم الدريوش، يتضمن كلمات وشهادات تستحضر الأبعاد التاريخية والنضالية لمعركة أنوال، كما سيتم تكريم عدد من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وتوزيع إعانات اجتماعية لفائدتهم.

وأعلنت المندوبية أن 105 وحدة من شبكة فضاءات الذاكرة التاريخية عبر التراب الوطني، ستشهد برامج ثقافية وتربوية متعددة، تستهدف ربط الأجيال الجديدة بتاريخ وطنها المجيد وتعزيز الاعتزاز بالانتماء الوطني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.