التعليم الخصوصي…حين يصبح المستقبل تجارة مربحة
بوجندار_عزالدين / المشاهد
متابعة : أبو الاء _ الدار البيضاء
لم تعد المدرسة مجرد فضاء للتعلم والتربية، بل تحوّلت في كثير من الأحيان إلى مؤسسة مالية تتعامل مع التلاميذ كأنهم زبائن، ومع الآباء كأنهم محافظ نقود تمشي على قدمين.
أصبحت المدارس الخاصة أشبه بمراكز تسوق: ديكور أنيق، لافتات لامعة، شعارات براقة من قبيل “نحن نصنع المستقبل”، لكن خلف الواجهة تختفي فواتير تكسر الظهر وأسعار تفوق الخيال.
أبسط مثال على هذا “البزنس التربوي” هو رسوم التأمين المدرسي، تلك الفاتورة السنوية التي لا يعرف الآباء كيف تُحتسب ولا أين تذهب أموالها.
هل التأمين لحماية التلميذ من الحوادث، أم لحماية ميزانية المدرسة من أي “وجع رأس”؟
يأتيك الجواب غالبًا ببرود:
“راه واجب إداري… هادي هي القوانين!”
لكن الحقيقة أن كثيرًا من هذه الرسوم لا تخضع لأي منطق، سوى منطق الزيادة بلا سبب.
ولا يقف الأمر عند التأمين.
تجد الأسعار مولّعة كأننا نتحدث عن جامعة أمريكية، لا عن مدرسة ابتدائية.
بعض الأسر اليوم تضطر للاقتراض من البنك باش تدفع التسجيل، والأقساط الشهرية تكاد تكلفهم ما يعادل كراء شقة في وسط المدينة.
أما إذا أردت خدمات إضافية، كالنقل المدرسي أو وجبة الغذاء، فاستعد لفاتورة أخرى تجعل “السكن الاجتماعي” يبدو أرخص بكثير!
الأغرب من كل هذا، هو سلوك ما يسمّى بـ “باطرونا المدارس الخصوصية” الذين رفضوا اقتراح وزارة التربية بتخصيص 15% من المقاعد مجانًا للتلاميذ المعوزين.
“حنا مؤسسة خاصة، ماشي جمعية خيرية!”
هكذا أجابوا، وكأنهم لا يعرفون أن التعليم ليس سلعة، بل حق أساسي لكل طفل، غنيًا كان أو فقيرًا.
ولماذا يرفضون؟
لأن هذا القطاع صار يُدار بعقلية المقاولات:
الهدف هو الأرباح، أما الحديث عن القيم والرسالة التربوية، فهو “ديكور إعلامي” يصلح فقط للإشهارات أو عند زيارة المسؤولين.
المصيبة الأخرى أن كثيرًا من المسؤولين في هذه المدارس لا علاقة لهم بالتربية ولا بالبيداغوجيا.
يتعاملون مع الأساتذة كموظفين في مصنع، ومع التلاميذ كمنتج جاهز للتسويق.
حتى لقب “مدير تربوي” أصبح مجرد واجهة.
تسأله عن البرامج التعليمية فيقول لك:
“شوف مع المحاسب!”
هذه العقلية أدخلت المدارس في تيه تربوي.
فالمؤسسة، بدل أن تركز على تكوين أجيال متوازنة فكريًا ونفسيًا، صارت تهتم بـ”البرستيج” أكثر من أي شيء آخر.
ويا حسرة على أطفالنا، يخرجون من المدرسة وهم يعرفون كيف يحفظون الدروس، لكن لا يعرفون كيف يعيشون الحياة.
الآباء في هذه المعادلة يعيشون معاناة مزدوجة:
مستشفيات عمومية تحتضر.
مدارس عمومية مهترئة.
ومدارس خاصة تبيع المستقبل بالأقساط.
فالأب والأم يجدان نفسيهما أمام خيارين أحلاهما مر:
إما أن يرسلا أبناءهما إلى المدرسة العمومية حيث الاكتظاظ والخصاص، أو إلى مدرسة خاصة تحول حياتهم إلى سباق مع الفواتير.
والنتيجة واحدة: التلميذ يتعلم أن “القيمة” تقاس بما يدفعه أبوه، لا بما يعرفه هو.
التعليم يا سادة ليس سلعة، ولا مشروعًا للاستثمار السريع.
حين تتحول المدرسة إلى “بازار” يتاجر في الشهادات، ويعرض المعرفة في “كاطالوغات”، فاعلم أن الأمة كلها دخلت مرحلة الإفلاس القيمي.
“كفى من المتاجرة بالمستقبل… سيدي “البزنس مان” راه التعليم ماشي دجاجة تبيض ذهب، هو أساس بلاد قائمة على رجليها.”
وإذا كنتم ترفضون حتى 15% لفائدة أبناء الفقراء، فاعلموا أنكم تبيعون الحلم… وتذبحون الأمل.
ميمكنش نديروا عين ميكة على هاد شي