تونس والمغرب.. حين يتعانق “وجد” زغوان بـ”بركة” غمارة
بوجندار_____عزالدين/ المشاهد
متابعة: حياة _ اغريب/تونس
في أزقة مدينة تونس العتيقة، حيث تفوح رائحة “المشوم” والياسمين، ثمة صوت خفي لا يخطئه قلب الزائر المغربي؛ صوت “البندير” الذي يضبط إيقاع الأرواح، وقباب بيضاء ناصعة تروي قصة حضارة لم تفصل يوماً بين ما هو أرضي وما هو سماوي. هنا في تونس، لا يُعدّ التصوف مجرد طقوس عابرة، بل هو نَفَس الحياة الذي يربط ضفتي المغرب الكبير برباط روحي متين لا انفصام له.
لا يمكن لمغربي أن يخطو داخل مقام سيدي بلحسن دون أن يشعر بقشعريرة الانتماء. في هذا الفضاء المطل على العاصمة تونس، يحضر طيف القطب الصوفي الكبير أبي الحسن الشاذلي. ورغم أن الشاذلي وُلد في منطقة غمارة بالمغرب، فإن تونس كانت ميقاته الروحي؛ ففي مغارات جبل زغوان اختلى بنفسه، ومن هناك انطلقت طريقته التي انتشرت في الآفاق وبلغ صداها مختلف الأقطار. في تونس، لا تمثل الشاذلية مجرد زاوية، بل تشكل ثقافة شعبية متجذرة؛ هي الشاي بالبندق الذي يُحتسى في حلقات الذكر، وهي الأحزاب التي يتلوها التونسيون بلكنة تستحضر أجواء جلسات الدلائل في مراكش أو فاس، في وحدة حال تجعل المغربي يشعر وكأنه في بيته الروحي.
وإذا كان المغرب يحتفي بأوليائه الصالحين مثل لالة تعلات أو لالة ميرة، فإن تونس تزهو بالسيدة المنوبية، تلك الشخصية الروحية التي كسرت قيود عصرها لتصبح قطباً صوفياً يُشار إليه بالبنان. في زاوية منوبة يتجلى كيف تحول التصوف إلى ملاذ للمرأة، ليس فقط للتعبد، بل أيضاً للتحرر النفسي والاجتماعي. وتمثل للا المنوبية أحد الوجوه المشرقة للتصوف التونسي الذي منح المرأة مكانة روحية رفيعة، في تناغم لافت بين القداسة والتمكين.
ما يميز التجربة التونسية المعاصرة هو قدرتها على تحديث التعبير الصوفي دون التفريط في جوهره. فبينما يحافظ المغرب على هيبة الزوايا ووقارها التقليدي، نجحت تونس في نقل الحضرة من فضاءات الخلوة إلى منصات المهرجانات الكبرى، مثل قرطاج والحمامات. وهكذا أصبح المديح الصوفي حاضراً بقوة في المشهد الثقافي، حيث يتمايل الشباب على إيقاعات نوبات سيدي بن عيسى أو سيدي بوعلي النفطي، في تجربة تجمع بين الروحانية والفن، وتجعل من التصوف حصناً ثقافياً يواجه نزعات التطرف ويقدم الدين في صورة حب وجمال وتسامح.
وبين “الزردة” في تونس و”الموسم” في المغرب تتقاطع الطقوس وتتشابه التفاصيل. فكسكسي الزاوية الذي يُوزع في الخميس التونسي هو ذاته طعام البركة المعروف في أضرحة المغرب، حيث تتحول الزاوية إلى مؤسسة اجتماعية قائمة على التضامن، تُطعم الجائع وتؤوي الغريب، تماماً كما هو الحال في زوايا سوس والريف والأطلس.
وختاماً، يمكن القول إن التصوف في تونس ليس مجرد إرث تاريخي، بل ممارسة يومية للجمال والسكينة. وبصفتي مغربية تعيش في هذا البلد الشقيق، أجد أن اكتشاف الوجد التونسي هو في جوهره رحلة لاكتشاف الذات المغربية في مرآة تونسية؛ شعبان تفصل بينهما الجغرافيا وتجمعهما روح واحدة، يبدأ خيطها من سلا ولا ينتهي إلا عند القيروان، حيث تلتقي القباب وتتوحد الذاكرة الروحية.