تكوين محلي وتصدير مجاني.. أزمة هجرة الأطباء بالمغرب
بوجندار_____عزالدين/ مدير نشر
في الوقت الذي تسابق فيه الحكومة الزمن لتنزيل أوراش الإصلاح الجذري للمنظومة الصحية وتعميم التغطية الطبية، يدق مهنيو الصحة ناقوس الخطر إزاء تفاقم ظاهرة “نزيف الأدمغة”، معلنين عن أرقام صادمة تكشف حجم الهوة بين الطموحات الرسمية والواقع على الأرض.
وحسب معطيات حديثة صادرة عن أطباء القطاع الخاص، باتت وتيرة هجرة الأطباء المغاربة نحو الخارج تتخذ منحىً تصاعدياً “مقلقاً”، حيث تغري العواصم الأوروبية وكندا كفاءات المملكة بظروف عمل محفزة ورواتب مجزية. ويأتي هذا النزيف الصامت في وقت تعاني فيه المستشفيات والمراكز الصحية الوطنية من عجز بنيوي حاد في الموارد البشرية الطبية، قُدّر بنحو 32 ألف طبيب؛ وهو الرقم الذي يضع المنظومة برمتها أمام تحدي الاستدامة والجودة.
ويرى مراقبون أن هذه الظاهرة تطرح مفارقة دقيقة؛ فالدولة المغربية تتحمل كلفة مالية باهظة لتكوين الأطباء داخل كليات الطب الوطنية، لتجد نفسها في نهاية المطاف بمثابة “مشتل مجاني” يصدر جاهزاً كفاءات طبية عالية المستوى لسد العجز في مستشفيات غربية، في حين يضطر المواطن المغربي، خاصة في المناطق النائية والهامشية، إلى تحمل تبعات قلة الأطر الطبية وطول مواعيد العلاج.
ويرجع أطباء بالقطاعين العام والخاص أسباب هذا الإقبال المكثف على الهجرة إلى تداخل مجموعة من العوامل، أبرزها
■ غياب البنيات التحتية والمعدات البيوطبية الكافية في العديد من الأقاليم، مما يعيق الطبيب عن أداء واجبه المهني.
■ عدم جاذبية الأجور والتعويضات مقارنة بحجم المسؤولية والجهد المبذول، وبالمقارنة مع العروض الدولية.
■ ضعف الحماية القانونية للأطباء وتراجع آفاق الترقي المهني السريع.
إن استمرار هجرة الأطباء بمعدل يتجاوز في بعض التقديرات ثلث الخريجين سنوياً، يهدد بشكل مباشر المخططات الاستراتيجية للمملكة لرفع التحديات الصحية القادمة. فبينما يتطلب إنجاح ورش التغطية الصحية الشاملة مضاعفة أعداد الأطباء وتوزيعهم العادل مجدالياً، تعمق الهجرة من أزمة المواعيد الطبية، وتزيد من ضغط العمل على الأطر المتبقية، مما ينعكس سلباً على جودة الخدمات العلاجية المقدمة للمواطنين.وتجمع الفعاليات الصحية على أن مواجهة هذا النزيف لا يمكن أن تتم عبر مقاربات ترقيعية، بل تستدعي ثورة حقيقية في نمط تدبير الموارد البشرية، تبدأ بإقرار “جاذبية الممارسة الطبية داخل الوطن” كأولوية قصوى، عبر مراجعة شاملة لصالير الأطباء، وتحسين ظروف اشتغالهم، لضمان بقائهم في خدمة المنظومة الصحية الوطنية.
بين طموحات ورش التغطية الصحية الشاملة وواقع الهجرة المتسارعة، يقف المغرب أمام خيار واحد لا بديل عنه: إما ثورة حقيقية لرد الاعتبار لـ’البذلة البيضاء’ وتحفيزها، أو الاستسلام لنزيف أدمغة يفرغ مشافي البلاد ويضع الأمن الصحي للمواطنين على المحك.