ضربني وبكى.. وسبقني وشكى!
بقلم: أبــــو____الآء.
إذا كان هناك درس واحد نتعلمه يومياً من بعض وسائل الإعلام الأوروبية، فهو أن “الحقيقة” عندهم تملك عيناً واحدة فقط؛ أما العين الثانية فمغطاة بقطعة قماش سوداء ومكتوب عليها بالخط العريض: “عين ميكة”!
المأساة الإنسانية التي وقعت على حدود سبتة المحتلة – حيث تدفق خمسون ألف إنسان في أيام معدودة، وغرق أو سُحق سبعة وخمسون ضحية في مياه لا ترحم – لم تكن مجرد أرقام تُقرأ في تقرير بارد. كانت خمسين ألف قصة ألم يائس، وخمسين فاجعة لأسر تنظر إلى البحر بحسرة وتردد “لا حول ولا قوة إلا بالله”. لكن، في غرف التحرير ببركسيل وباريس ومدريد، استكثرت بعض الأقلام الأوروبية حتى إظهار الحد الأدنى من الضمير المهني، ووجدت الحل السريع: تحويل الفاجعة بأكملها إلى تهمة جاهزة، وإلصاقها في رقبة المغرب وحده… حقيقَةً: “ضربني وبكى.. وسبقني وشكى!”
يا لها من سريالية إعلامية! الصحافة المهنية – في أبسط قواعدها التي يعلمونها لنا في أعتى معاهدهم – يُفترض أن تنقل الواقع بتعقيداته وتشابكاته. لكن شريحة واسعة من الإعلام الأوروبي قررت أن تمارس دور “الكاتب المسرحي” الذي يُلخص أزمة جيوسياسية وإنسانية معقدة في جملة واحدة مريحة للضمير: “المغرب تساهل، فتح الحدود، وتواطأ!”. جملة سهلة، “خفيفة ظريفة”، وتصلح لمانشيت عريض يبيع الجرائد، لكنها بعيدة كل البعد عن الواقع الميداني بعُد السماء عن الأرض!
ولأن السردية الأوروبية أُعدت بـ “عين ميكة”، فقد سقطت منها عمداً ثلاثة تفاصيل قاتلة لا يمكن فهم الأزمة بدونها:
أولاً: شبكات الاتجار بالبشر: خمسون ألف شخص لا يتحركون تلقائياً وبسرعة البرق في أيام معدودة دون تنظيم، وتخطيط، وتحريض مالي وإعلامي عبر “اللايفات” ومنصات التواصل! هناك شبكات إجرامية عابرة للحدود تتاجر بآلام الشباب، تجمع الملايين، وترسم الخرائط، ثم تدفع بالنساء والقاصرين إلى أمواج البحر المظلمة وتختفي في الزحام… “ياكلوا الثوم بقمم الشغالة”! هذه الكارتيلات الإجرامية هي الفاعل الحقيقي، لكنها الغائب الأكبر عن عناوين الجرائد الأوروبية!
ثانياً: السياسات الأوروبية نفسها: هذه القارة التي تصرف المليارات على الكاميرات الحرارية، والدرونات، والأسوار السلكية، وتغلق كل منافذ الهجرة الشرعية، هي نفسها التي لم تترك لهؤلاء الشباب سوى الخيار الانتحاري: إما قعر البحر أو حديد السياج. هذا اختيار سياسي أوروبي بامتياز، فكيف يُحمل المغرب ضريبة خيارات أوروبا الأمنية المغلقة؟ واش هما يربطوا الحبل والمغرب يفكُّو؟
ثالثاً: الجهد المغربي الميداني: في الوقت الذي كانت فيه كاميرات الصحافة الأوروبية تبحث عن أي لقطة لتثبيت التهمة، كانت السلطات المغربية على الأرض “خدامة على رأسها” في عمليات إعادة وإخلاء واسعة بالتنسيق مع الجانب الإسباني، أعادت خلالها عشرات الآلاف في ساعات قياسية، وبشهادة رئيس الحكومة الإسبانية نفسه الذي أشاد بالتعاون الاستثنائي. فكيف يتحول الشريك الذي يمتص الصدمة في الميدان، بقدرة قادر، إلى المتهم الأول في بلاتوهات التلفزيون؟
من الرابح الحقيقي من هذا التدليس الإعلامي؟ ليس هو المهاجر الملقى في العراء بلا مأوى ولا أمل، بل هو السياسي الأوروبي الفاشل في داخله! سياسي يحتاج في كل موسم إلى “كبش فداء” خارج حدود القارة ليكفر به عن عجزه الممتد لسنين في تدبير ملف الهجرة، وليغطي على أسئلة حارقة: لماذا فشلت سياسات الاتحاد الأوروبي في معالجة جذور الظاهرة بالدول المصدرة؟ ولماذا تواصل شبكات التهريب نشاطها بحرية تامة داخل أحياء أوروبا ذاتها؟
الصحافة المسؤولة لا تعني الدفاع الأعمى عن أي طرف، بل تعني رفض السرديات المغشوشة والمجهزة تحت الطلب. أزمة سبتة قضية إنسانية بامتياز قبل أن تكون ورقة ضغط سياسية، وتستحق تغطية تُحاسب مافيات البشر، والسياسات الأوروبية المسدودة، والهشاشة الأمنية، بدل الاختزال المبتذل الذي يريح الضمير الأوربي على حساب الحقيقة.
الحقيقة، تماماً كالبحر الذي ابتلع ضحايا هذه المأساة، لا تملك زاوية واحدة ولا ترحم الانحياز. ومن أراد أن يرى المشهد كاملاً، فعليه أن ينظر بعينين اثنتين ويمارس الصحافة بحق، أما من يريد أن يرمي خيباته على الجيران، فليواصل النظر بـ “عين ميكة”!