جيل “البوز والايف”
أمال________لقرافي.
إذا أردت أن تفهم كيف تحولت بعض المنصات الرقمية في هذا الوطن إلى “سوق أسبوعي” للفضائح وقضاء الحاجات بلا حياء، فما عليك إلا أن تفتح هاتفك وتتصفح بعض “البثوث المباشرة”! هناك تجد سريالية نادرة؛ “لايف” يبدأ بعفوية تصنع الذكاء، ليتحول في دقائق معدودة إلى حلبة للمصارعة، سبّ وشتم، اتهامات بالباطل، كشف للأسرار المستورة، وصراخ يثقب الآذان! والهدف طبعاً ليس قضية نبيلة ولا نقاشاً مفيداً، بل معادلة تجارية بسيطة يرفعها بعض هواة الركوب على العقول: “دير الصداع، جمع الناس، فضح شي واحد… وبارطاجي الفلوس والهدايا!”. فتتحول “الشوهة”، بقدرة قادر، إلى مشـروع مدرّ للأرباح يطبق العنوان بكل تفاصيله: “من اللايف إلى الشوهة.. الفلوس طالعة والكرامة نازلة!”.
فالقصة لم تعد مجرد حرية تعبير أو حق مشروع في مشاركة الحياة اليومية على شاشات الهواتف، بل أصبحت صناعة قائمة بذاتها تكافئ الأكثر إثارة وقسوة، وتُهمش صاحب العلم والمعرفة! والأدهى والأمر هو الرسالة المسمومة التي تصل أبناءنا وشبابنا كل يوم؛ طفل يفتح هاتفه فيرى جاهلا أو مشاغباً يصرخ ويشتم ليحقق ملايين المتابعات وأكياس الأموال، بينما الأستاذ الباحث والعميق، والطبيب المخلص، والصانع المبدع، يقضون الساعات في إعداد محتوى راقٍ فلا يجدون إلا فتات التفاعل! وهنا تكمن الجريمة الحقيقية في حق منظومة القيمة؛ حين نربي جيلًا يعتقد أن النجاح والشهرة لا يحتاجان لدرس ولا لكتاب، بل فقط إلى جرأة على الفضيحة وقدرة على “دير المشكل”!
فهل نسينا أن الفضاء الرقمي ليس “سوقاً بلا باب”، وأن حرية التعبير ليست شيكاً على بياض للتشهير وتدنيس الذوق العام؟ المشكلة ليست في التكنولوجيا، بل في اليد التي تُحرك الماوس والعقل الذي يصفق للتفاهة! والمسؤولية اليوم لا تقع فقط على المنصات الرقمية والقوانين الرادعة للحد من التشهير والإهانة، بل تقع بالدرجة الأولى على الجمهور والمشاهد المغربي؛ فنحن من نمنح هؤلاء “النجوم الزائفة” قيمة بالمتابعة والتفاعل والمشاركة، وما نكافئه بالنقرات هو ما سيعود إلينا كل صباح في طاسة هواتفنا!
المغرب غني بعقوله، بشبابه المبدع، بأطبائه، ومثقفيه، وفنانيه الصادقين الذين يستحقون أن يتصدروا الشاشات ويكونوا هم “التراند” الحقيقي الذي ينفع الناس ويمكث في الأرض.
ونصيحة “خفيفة ظريفة” لصناع التفاهة ولمن يركضون خلف “البوز الرخيص”: الشهرة القائمة على الفضائح كبيت العكبوت، سرعان ما تنهار لتبقى النقطة المظلمة في تاريخ صاحبها؛ فالأموال تذهب والتفاهة تموت، ولكن الأثر الطيب والثقافة الهادفة هما ما يبقى في ذاكرة الوطن. فاخرجوا من مستنقع الفضائح وارتقوا بعقول الناس… راه الشوهة كتجيب المشاهدة السريعة، ولكن الثقافة هي ساس الكرامة والأثر!