أحزاب وُلدت من رحم الشعب.. وماتت في حضن العائلات

0 6

متابعة: بوجندار ______عزالدين.

ديمقراطية التوريث: كيف ابتلعت العائلات نضال الأحزاب؟

 

لم يعد خافياً على أحد أن الخريطة السياسية المغربية تعيش تحولاً بنيوياً عميقاً. تحولٌ نقل الهيئات الحزبية من رصيد “الشرعية النضالية” التاريخي إلى منطق “الشرعية العائلية” والمصالح الضيقة. الأحزاب التي تأسست في حركيتها الأولى على تدافع الأفكار، وصراع الإيديولوجيات، والتضحية من أجل المبادئ، باتت اليوم أشبه بـ”شركات مساهمة” تُورّث فيها المقاعد، وتُوزّع داخلها التزكيات كحصص استثمارية.

 

في الماضي، كان الصعود داخل الدرج الحزبي يمر حتماً عبر بوابة الكفاءة، والخطابة، والقدرة على التعبئة الجماهيرية. كان “المناضل” يُصنع في حلقية الجامعة، وفي النقابة، وفي مواجهة الأزمات.اليوم، تغيرت المعايير بشكل دراماتيكي:

● تراجع الفكرة: غابت النقاشات الفكرية العميقة وصراعات التيارات داخل المؤتمرات.

● صعود “الراعي”: تعوضت الأطروحات السياسية بسلطة “الأعيان” الذين يملكون النفوذ المالي والقبلي.

● الولاء العائلي: أصبح القرب الدموي أو المصاهِر من القيادة هو التزكية الحقيقية للوصول إلى برلمان الأمة أو المجالس الترابية.

 

إن مأسسة “النفوذ العائلي” داخل الأحزاب لا تقتصر على حزب دون آخر، بل أصبحت ظاهرة عابرة للتنظيمات، سواء كانت تصنف نفسها في اليمين أو اليسار أو الوسط. هذا الواقع أنتج مظاهر واضحة للعيان:

● توريث المقاعد: تحولت بعض الدوائر الانتخابية إلى “إقطاعيات” حصرية لعائلات بعينها، تنتقل من الأب إلى الابن أو الزوجة.

● كوطا الأقارب: شهدت اللوائح الجهوية ولائحة الشباب السابقة إنزالاً مكثفاً لأسماء لا يربطها بالنضال سوى “اللقب العائلي” للمسؤول الحزبي.

● تنفير الكفاءات: أدى هذا التوريث الممنهج إلى هجرة جماعية للأطر والكفاءات الشابة التي وجدت الأبواب مغلقة أمامها بـ”أقفال القرابة.

 

هذا التحول من “الحزب-المدرسة” إلى “الحزب-الضيعة” لم يمر دون ثمن. فالمجتمع المغربي، وخاصة فئة الشباب، التقط الإشارة سريعاً، مما أدى إلى:

● أزمة ثقة حادة: تعميق الفجوة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.

● عزوف انتخابي: تراجع الحماس للمشاركة السياسية ما دام “المنتج” معروفاً سلفاً والوجوه مستنسخة.

● بلقنة النقاش العام: تحول العمل السياسي من التنافس على البرامج التنموية إلى صراع حول المواقع والمصالح الشخصية والعائلية.

 

إن نقد هذا الواقع ليس تبخيساً للعمل الحزبي، بل هو صرصة إنذار تفرضها الغيرة على المسار الديمقراطي للبلاد. الأحزاب السياسية مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بقطع حبل السرة مع “العشائرية المقنعة”، وتفعيل حقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة والديمقراطية الداخلية.

إن استعادة هيبة السياسة تبدأ من تطهير البيت الداخلي للأحزاب، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنضال الميداني، حتى لا تتحول الديمقراطية إلى مجرد واجهة لتجديد نفوذ العائلات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.