المغرب يوحد شرايينه: ملحمة العهد الجديد في ترويض المسافات.

0 7

متابعة بوجندار________عزالدين.

 

في أدبيات التنمية الكلاسيكية، تُقاس جودة الشبكات الطرقية والسككية بمؤشرات الأرقام: عدد الكيلومترات المفتوحة، نسبة تقليص مدة السفر، والعائد الاستثماري على حركة السلع والبضائع. لكن خلف هذه الأرقام الجافة في المغرب، ثمة “ثورة صامتة” لم تُقرأ بما يكفي في صالونات التحليل السوسيولوجي؛ ثورة يمكن تسميتها بـ “المغرب الذي يقترب من نفسه”.لعقود طويلة، فرضت الجغرافيا المغربية المعقدة بقمم أطلسها الشاهقة وهضابها الممتدة، نوعاً من “العزلة الوجدانية”.

كانت المسافات تصنع جزرًا بشرية وثقافية داخل الوطن الواحد؛ فكانت الصورة الذهنية للآخر المغربي تُبنى على “التمثلات والصور النمطية” أكثر مما تُبنى على المعايشة اليومية. كان السفر مغامرة محفوفة بالتردد، وكان المغربي يولد ويعيش ويموت في فلك جهته أو مدينته الإقليمية.

 

التحول الكبير بدأ حين تحولت الاستراتيجية الوطنية للمركز من “ربط المراكز الاقتصادية الكبرى” إلى “خياطة أطراف الوطن”. إن مد الطرق السيارة نحو عمق الجنوب (تحديدا الطريق السريع تيزنيت-الداخلة)، وربط الشرق بالشمال، وإدخال القطار فائق السرعة “البراق”، لم يكن مجرد مشاريع إسمنتية، بل كان “مشرطًا جراحيًا” فكك العزلة المجالية.هذا الانكماش في الخريطة أدى إلى ظاهرة صحية غير مسبوقة: “الارتحال الداخلي المكثف”. السياحة الداخلية اليوم لم تعد ترفاً طبقياً، بل تحولت إلى سلوك سوسيولوجي شعبي. العائلة المغربية التي كانت تقضي عطلتها الصيفية في شاطئ محلي مجاور، أصبحت اليوم تناقش خيارات السفر بين أقصى الشمال وأقصى الجنوب.

 

إن أعظم أثر لهذه الحركية ليس سياحيًا ولا تجاريًا، بل هو أثر هوياتي واجتماعي:

▪︎ تلاقح اللهجات والتقاليد: حين يلتقي ابن طنجة بابن العيون في فضاء مشترك، تسقط المسافة اللغوية، وتتحول اللهجات التي كانت تبدو “غريبة” في التلفزيون إلى إيقاعات يومية مألوفة.

▪︎ انتقال الرأسمال الثقافي والمطبخ: لم تعد الأكلات والزي التقليدي حكراً على منطقة بعينها؛ بل حدث “تثاقف” أفقي جعل الثقافة المغربية أكثر تجانساً وعمقاً.

▪︎ أنسنة المكان: لم تعد “الداخلة” أو “الحسيمة” مجرد أسماء في نشرة الأخبار الثامنة مساءً؛ بل أصبحت تفاصيل محفورة في ذاكرة الأفراد: وجه فندقي مضياف، غروب شمس على المحيط، أو طريق جبلي وعر تم ترويضه.

 

إن الهوية الوطنية ليست شعارات تُرفع، بل هي “مساحة مشتركة تُعاش”. والطرق في المغرب الحديث قامت بأدلجة الجغرافيا لصالح الوحدة؛ لقد جعلت المواطن يكتشف أن وطنه أكبر بكثير من سقف مدينته، وفي الآن ذاته، أقرب إليه من حبل الوريد بفضل انكماش الزمن.

 

في الختام، يمكن القول إن المغرب نجح في كسب رهان “الربط المادي”، وهو اليوم يجني ثمار “الربط الوجداني”. إن كل كيلومتر من الإسفلت يُمد في أطراف هذا البلد، هو بمثابة غرزة دقيقة في ثوب الهوية المغربية اللحيمة، التي بدأت أخيراً تصالح جغرافيتها وتاريخها، ليلتقي المغربي بأخيه المغربي دون حواجز مسافة أو تمثلات مسبقة. إنه مغرب “الجسد الواحد” الذي إذا اشتكى منه عضو، تحركت إليه باقي الأعضاء عبر “لوطوروت”

 

إنها ملحمة مغرب جديد يولد من رحم جرافيته؛ مغرب يؤكد في كل محطة أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. فخلف كل طريق سيار يمتد، ونفق يُشق، وقطار سريع يربط الشمال بالجنوب والشرق بالغرب، تقف الرؤية الاستراتيجية المتبصرة والتوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله. إنها الرؤية التي لم تنظر إلى الخريطة كخطوط على ورق، بل ككيان نابض يستحق أن يقترب من نفسه. وبفضل هذا العزم الملكي الراسخ، نجحت المملكة في تحويل خيوط الإسفلت والقضبان الحديدية إلى شرايين حية تضخ دماء الوحدة والتماسك في جسد الأمة المغربية من طنجة إلى الكويرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.