السياسة في غرفة الإنعاش: من يملك حق الدفن؟
متابعة: بوجندار ____عزالدين.
لم يعد الأمر مجرد أزمة كفاءة أو تعثر برامج انتخابية، بل نحن أمام مشهد تفكيك ممنهج لما تبقى من رصيد الثقة العام. ما يشهده الفضاء العام اليوم ليس سجالاً سياسياً، بل هو استعراض فج لتجفيف قنوات الأمل، ودفع بالمجتمع نحو مربع العزوف التام، في مفارقة غريبة تحول فيها الفاعل السياسي من أداة لحل الأزمات إلى الأزمة نفسها.
إن تتبع مسار القرارات والخطابات الأخيرة يكشف عن فجوة هائلة بين واقع يتطلع إلى حلول ملموسة، ونخب تبدو وكأنها تدير مصالحها المعزولة داخل فقاعة زجاجية. هذا السلوك لا ينتج فقط الإحباط، بل يضرب في العمق مفهوم “التعاقد الأخلاقي” الذي تقوم عليه أي مشاركة مدنية، مما يجعل الجمهور في موقع المتفرج الصامت الذي يشيع ركام الوعود المتبخرة.
المثير للاهتمام أن هذا الانحدار في الأداء لا يواجه بمراجعة ذاتية أو بنقد بناء، بل يُغلف في كثير من الأحيان بمسوغات واهية تزيد منسوب السخرية السائدة.
وعندما تفقد الكلمات معناها والوعود مصداقيتها، تسقط القيمة الوظيفية للعمل السياسي، ليتحول من رافعة للتنمية إلى مجرد طقس شكلي يفتقر إلى الروح والجدوى.
رغم قتامة هذا التشخيص الذي يفرض نفسه على أرض الواقع، فإن التاريخ يعلمنا أن الاستمرار في استهلاك رصيد الثقة إلى حد النفاد التام، غالباً ما يشكل نقطة تحول حتمية.فالوعي المجتمعي، وإن بدا في حالة انكفاء مؤقت، يمتلك دائماً القدرة على الفرز، وإعادة تعريف أولوياته بعيداً عن القوالب الجاهزة والوجوه التي استنفدت كل فرص الإقناع.
إن المشهد الجنائزي لما تبقى من السياسة لم يكن وليد صدفة، بل هو النتيجة الحتمية لـ”مسرحية هزلية” أتقن مخرجوها اللعبة؛ حيث تُوزّع الأدوار بدقة خلف الكواليس، ويُعرض على خشبة الفضاء العام مسرح تلاسن وتبادل اتهامات نهاراً، لا يلبث أن يتحول إلى عناق دافئ وتقاسم للمصالح ليلاً.
هذه البراغماتية الفجة هي المقبرة الحقيقية التي دُفنت فيها قيم المبدأ والالتزام؛ فالذين حوّلوا العمل العام إلى مجرد استعراض موسمي وتبادل للمواقع، هم أنفسهم من أطلقوا رصاصة الرحمة على رصيد الثقة. ومع ذلك، فإن إسدال الستار على هذه المسرحية لن يكون بيد الممثلين، بل بيد الجمهور الذي سئم اللعبة وغادر القاعة، ليعلن أن صلاحية الوهم قد انتهت، وأن الوعي المجتمعي لا يُقبر، بل يعيد تشكيل نفسه خارج حسابات الكواليس المظلمة