“رجال السلطة أرحم”.. الصرخة التي أسقطت قناع السياسة
متابعة: بوجندار ________عزالدين.
لم تعد أزمة المشهد السياسي مجرد قراءات تحليلية أو تقارير ترصد نسب العزوف، بل تحولت إلى وعي شعبي ناطق بالمرارة. عندما ينطق مواطن مغربي بعفوية مطلقة قائلاً: “رجال السلطة أرحم من رجال السياسة”، فهو لا يقدم مجرد انطباع عابر، بل يصيغ بذكائه الفطري حكماً نهائياً يُلخص إفلاس الوعود، ويشيع ما تبقى من ثقة في نعش النخب المقبرة.
قالها عمي كبور، إن عمق هذه العبارة يكمن في مقارنتها الحارقة بين منطقين؛ منطق “الدولة” ومؤسساتها الإدارية التي تتسم بالوضوح والصرامة الميدانية، ومنطق “الدكاكين السياسية” التي تحولت إلى فقاعة من الوعود المعسولة نهاراً، والصفقات المصلحية ليلاً. يرى المواطن في رجل السلطة منفذاً لضوابط واضحة، يلتقيه في الميدان وسط الأزمات ببدلته الرسمية مواجهاً للواقع، بينما يرى في رجل السياسة كائناً موسمياً يتقن مسرحية تبادل الاتهامات أمام الكاميرات، قبل أن تذوب الخلافات المصطنعة في عناق دافئ خلف الكواليس عند اقتسام المواقع.
هذا التفضيل الشعبي لصرامة الإدارة على زيف السياسة هو الإدانة الأكبر لـ”التعاقد الأخلاقي” المفترض. لقد سئم الشارع لغة المراوغة وتوزيع الأوهام، وبات يبحث عن “الإنصاف والفعالية” حتى وإن كانت مغلفة بالجدية الصارمة، بدلاً من الارتهان لنخب استنفدت كل فرص الإقناع، وحوّلت الفضاء العام إلى دار جنازة لآمال المجتمع وتطلعاته.
إن إسدال الستار على هذه الهزلية السياسية لم يعد ينتظر مراجعات ذاتية من ممثليها، فالجمهور غادر القاعة بالفعل بعدما أدرك قواعد اللعبة. والوعي المجتمعي اليوم يعيد فرز أولوياته بعيداً عن حسابات الكواليس المظلمة، معلناً أن صلاحية الوهم قد انتهت، وأن هيبة الدولة الحقيقية تكمن في وضوح مؤسساتها وقربها من نبض الشارع، لا في بهرجة خطابات تتبخر مع أول اختبار حقيقي.
إن هذا التفضيل الشعبي الحارق لصرامة الإدارة على زيف السياسة ليس مجرد موقف عابر، بل هو نتاج ارتداد بنيوي عميق؛ ولماذا هذا؟ لأن المواطن سئم العيش في المقاعد الخلفية لمسرحية هزلية يُعرض فصلها الأول نهاراً تحت مسمى “المعارضة وتبادل الاتهامات”، ويُكتب فصلها الأخير ليلاً في كواليس العناق الدافئ وتقاسم المصالح. وصلنا إلى هنا لأن النخب السياسية استبدلت الواجب الوطني بالاستعراض الموسمي، وحوّلت قضايا الشارع المصيرية إلى مجرد أوراق تفاوضية لترتيب المواقع، مما جعل الإدارة الميدانية بوضوحها وإجراءاتها تبدو للمواطن الحصن الأخير المتبقي للاستقرار والإنصاف.
ومن هنا، فإن هذه الصرخة العفوية تعلن رسمياً انتهاء صلاحية الأوهام؛ فالجمهور لم يعد يكتفي بمغادرة القاعة، بل أسدل الستار بنفسه على تلك الدكاكين، مؤكداً أن الثقة التي دُفنت في مقبرة الوعود المتبخرة لن تُبعث من جديد بوجوه استنفدت كل فرص الإقناع