المسؤول الفاسد يبني مجده على المواطن الفاسد

0 20

متابعة : أحمد____بن_مومنة.

 

لا يمكن اختزال ظاهرة الفساد في مسؤول يستغل موقعه أو موظف يتجاوز صلاحياته، لأن استمرار مثل هذه السلوكيات يحتاج في كثير من الأحيان إلى بيئة تسمح لها بالتمدد، وإلى سلوكيات مجتمعية قد تتحول، عن قصد أو عن غير قصد، إلى غطاء يحمي التجاوز ويمنحه فرصة الاستمرار.

 

فحين يصبح الوصول إلى الحق مرتبطاً بالمعارف والوساطات، وحين يبحث بعض المواطنين عن اختصار الطريق عبر المحسوبية أو الزبونية بدل الاحتكام إلى القانون، فإن الأمر لا يتوقف عند تحقيق مصلحة فردية عابرة، بل يساهم في ترسيخ ثقافة تجعل القاعدة القانونية قابلة للتجاوز متى توفرت العلاقة أو الوساطة المناسبة.

 

وفي المقابل، فإن المسؤول الذي يجد أمامه مواطناً مستعداً للتنازل عن حقه، أو التغاضي عن اختلال يضر بالمصلحة العامة مقابل منفعة شخصية، يجد بيئة أكثر ملاءمة لممارسة نفوذه بعيداً عن الرقابة المجتمعية الحقيقية.

 

الأخطر من ذلك أن بعض مظاهر الفساد قد تختبئ خلف واجهة من “الإنجازات” والصور والمشاريع الظاهرة، بينما تبقى الاختلالات الحقيقية بعيدة عن الأضواء. وهنا يصبح غياب السؤال والمساءلة عاملاً مساعداً على استمرار الوضع بدل أن يكون دافعاً إلى تصحيحه.

 

غير أن تحميل المواطن مسؤولية الفساد لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للمسؤول الفاسد أو إعفائه من المحاسبة. فالمسؤولية القانونية والإدارية والأخلاقية تقع أولاً على من أوكلت إليه مهمة تدبير الشأن العام، ومن يستغل منصبه لتحقيق مصالح غير مشروعة لا يمكنه الاحتماء بسلوك المواطنين لتبرير أفعاله.

 

لكن في المقابل، فإن محاربة الفساد لا يمكن أن تنجح بالقوانين والمؤسسات وحدها إذا لم يواكبها وعي مجتمعي يرفض الرشوة والمحسوبية والزبونية، ويتمسك بالحق في المعلومة والمساءلة والشفافية، ويعتبر المال العام والمصلحة العامة مسؤولية مشتركة.

 

الإصلاح الحقيقي يبدأ من هذه النقطة بالذات: حين يرفض المواطن أن يكون طرفاً في تكريس الاختلال، وحين يدرك أن السكوت عن التجاوز لا يلغي المشكلة، بل قد يمنحها فرصة أكبر للاستمرار.

 

فالمسؤول الفاسد يحتاج إلى بيئة تساعده، والمواطن الواعي يستطيع أن يكون جزءاً من الحل، لا جزءاً من المشكلة. وبين الطرفين تبقى سيادة القانون هي الفيصل، والمحاسبة هي الطريق الطبيعي لحماية المصلحة العامة وترسيخ الثقة في المؤسسات.

 

إن محاربة الفساد ليست معركة ضد أشخاص بعينهم، وإنما مواجهة مع ثقافة وسلوكيات وممارسات ينبغي أن يتوقف المجتمع عن تطبيعها، حتى يصبح احترام القانون قاعدة لا استثناء، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار شخصي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.