الدكتورة مريم بورجا تكتب لـ”المشاهد”: المرأة القروية.. روح المشروع الترابي.
إعداد: الدكتورة مريم بورجا
دكتوراه في الجغرافيا البشرية – تخصص إعداد المجال والتنمية الترابية
باحثة في قضايا التنمية المجالية والسياحة المستدامة – منظومة الأركان بسوس
فاعلة ترابية ومؤطرة في قضايا تمثيلية المرأة والشباب والأسرة.
مقدمة:
لم تعد السياحة في المغرب مقتصرة على المدن العتيقة والشواطئ، بل برزت في السنوات الأخيرة السياحة الجبلية والإيكولوجية كبديل تنموي حقيقي في المجالات الهشة، خاصة بمناطق الأطلس الصغير وسوس. وهذه السياحة التي تتمحور حول شجرة الأركان المصنفة كمحمية محيط حيوي من طرف اليونسكو، أعادت الاعتبار للمجال القروي وللمرأة القروية على حد سواء.
أولا: من مورد طبيعي إلى منتوج سياحي
شجرة الأركان ليست مجرد شجرة غابوية، بل هي مورد ترابي متكامل. السائح الإيكولوجي اليوم لا يأتي ليشاهد الشجرة فقط، بل ليعيش التجربة: مشهد الماعز فوق الشجر، ورشات عصر زيت الأركان، تذوق منتوج أملو، والنوم في بيوت الضيافة الجبلية. هذا التحول حول الدواوير المعزولة إلى أقطاب سياحية صاعدة.
ثانيا: المرأة القروية من الظل إلى المركز
إذا كان الرجل يملك الأرض، فإن المرأة هي من تملك المعرفة. هي التي تحافظ على تقنيات جمع ثمار الأركان وكسر النوى وعصر الزيت منذ قرون. وقد مكنت التعاونيات النسائية التي يتجاوز عددها 400 تعاونية بسوس، المرأة من الانتقال من بائعة متجولة بثمن بخس إلى مسيرة مقاولة اجتماعية تستقبل السياح وتقدم المعرفة المحلية بثمن عادل.
شهادة ميدانية: الدكتورة مريم بورجا
من وجهة نظري كجغرافية مهتمة بقضايا إعداد المجال، أعتبر أن السياحة الجبلية والإيكولوجية لم تعد مجرد نشاط موسمي للترفيه، بل تحولت إلى آلية حقيقية لإعادة تشكيل الدينامية الترابية في المرتفعات.وفيما يخص التمكين الاقتصادي للمرأة القروية، فإن هذه السياحة لعبت دورا محوريا على ثلاثة مستويات:
أولا، على المستوى الاقتصادي:
مكنت المرأة من الانتقال من اقتصاد الظل غير المهيكل إلى الاقتصاد الاجتماعي والتضامني المنظم، عبر التعاونيات النسائية للأركان وبيوت الضيافة الجبلية، مما ضاعف دخلها وساهم في استقرارها المجالي والحد من الهجرة.
ثانيا، على المستوى المجالي والثقافي: حولت المرأة من مجرد ربة بيت إلى حاملة للمعرفة المحلية وسفيرة للتراث. فالسائح الجبلي اليوم لا يبحث عن الإسمنت، بل يبحث عن التجربة الأصيلة التي لا تقدمها إلا المرأة القروية: من تحضير أملو بزيت الأركان، إلى النسيج وحكاية الجبل.
ثالثا، على المستوى البيئي: عندما تستفيد المرأة اقتصاديا من غابة الأركان ونظافة الوادي والمسلك السياحي، تصبح أول مدافعة عن المنظومة الإيكولوجية ومحاربة التصحر. لكن، وحتى لا نقع في التبسيط، فإن هذا النموذج يظل هشا. فبدون تأهيل حقيقي للمرأة في اللغات والتسويق الرقمي والتدبير، وبدون فك العزلة عن الدواوير وحماية المنتوج الأصيل من الغش، ستظل السياحة الجبلية مجرد فلكلور موسمي لا يحقق تنمية مستدامة.
خلاصة القول: السياحة الجبلية بدون إدماج فعلي للمرأة القروية في قلب المشروع الترابي هي جسد بلا روح، وحماية شجرة الأركان لن تتم إلا بتمكين المرأة التي حافظت عليها لقرون.”
خاتمة وتوصيات:
إن نجاح نموذج السياحة الجبلية المرتبطة بالأركان يبقى رهينا بثلاثة شروط أساسية:
1. تأهيل المرأة القروية في اللغات والتدبير والتسويق الرقمي.
2. فك العزلة عن الدواوير وتجهيز المسالك السياحية.
3.حماية المنتوج الأصيل للأركان من الغش والمضاربة وتثمينه بعلامات الجودة.
فالتنمية الترابية الحقيقية لن تتحقق إلا عندما تكون المرأة القروية شريكة في القرار وليست مجرد مستفيدة على الهامش.
