نبض الحارة وبناء الهوية.. مسيرة “مجموعة ألوان”
متابعة : بوجندار____ عزالدين.
في ريبيرتوار الموسيقى المغربية الملتزمة، لا يمكن للمحلل الفني أو المهتم بالصناعة الثقافية أن يمر مرور الكرام على تجربة “مجموعة ألوان” الموسيقية. هذه المجموعة التي ولدت من رحم الحارة المغربية الأصيلة، لم تكن مجرد فرقة غنائية عابرة، بل كانت مؤسسة فنية قائمة الذات استطاعت أن تحول الكلمة الزجليّة والنغمة التراثية إلى سلاح تعبيري وازن، يحاكي هموم المجتمع ويعيد صياغة الهوية البصرية والسمعية للأغنية الغيوانية في فترة الثمانينات والتسعينات.
إذا غصنا في “قاع خابية” هذا المشوار الحافل، يمكننا استخلاص ثلاثة أبعاد استراتيجية صنعت التميز المهني والموسيقي لـ “مجموعة ألوان”.
تميزت “مجموعة ألوان” بذكاء حاد في اختيار تركيبتها الموسيقية؛ فلم تكتفِ بإعادة تدوير التراث السوسي أو الغيواني بشكل نمطي، بل اشتغلت على:
• عصرنة الإيقاع: توظيف آلات كـ “البانجو” و”الهجهوج” بطرق مبتكرة تمنح اللحن حيوية دون المساس بأصالته.
• البناء الكورالي المحكم: الاعتماد على تداخل الأصوات (الأداء الجماعي) الذي يمنح الأغنية هيبة الرواية الشفهية القديمة ويقوي الرابط العاطفي مع المستمع.
من الناحية المهنية والتسويقية، كانت الكلمة هي “المنتج الأساسي” للفرقة. امتازت نصوص أغاني “مجموعة ألوان” بـ:
• الالتزام بالقضايا الاجتماعية: لم يغنّوا من أبراج عاجية، بل غاصوا في المعيش اليومي للمواطن المغربي (من قضايا الشباب، الشغل، الغربة، إلى حب الوطن والتضامن الإنساني).
• العمق الرمزي: صياغة نصوص زجلية غنية بالاستعارات والمجاز، مما جعل أغانيهم صالحة لكل زمان ومكان، وهي الميزة التي تضمن استدامة الإرث الفني لسنوات طويلة.
عاش مشوار “مجموعة ألوان” فترات مد وجزر فرضتها التغيرات في الساحة الفنية ودخول موجات موسيقية جديدة. ورغم قلة الدعم في فترات معينة وتغير خارطة الإنتاج الفني، إلا أن العلامة التجارية (Brand) للفرقة ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية كرمز من رموز “ظاهرة المجموعات” بالمغرب، بجانب رواد مثل “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة”.
إن دراسة مشوار “مجموعة ألوان” من منظور مهني تعلمنا أن الفن الحقيقي هو الذي ينبع من الجذور؛ فالاستمرارية لا تصنعها الأضواء العابرة، بل يبنيها الصدق الفني، والارتباط بنبض الشعب، وإتقان الصنعة اللحنية. لقد تركت الفرقة رصيداً لا يفنى، يمثل “الذهب الخالص” في خابية الموسيقى المغربية الملتزمة.



