إلغاء الساعة الإضافية: استجابة لنبض الشارع أم هروب من الأزمات الهيكلية؟

0 10

بوجندار_عزالدين مدير نشر

 

لماذا لا توازي سرعة إلغاء الساعة الإضافية سرعة حل الأزمات الهيكلية؟

 

شكل القرار الأخير القاضي بإلغاء الساعة الإضافية والعودة الدائمة إلى توقيت غرينتش حدثاً بارزاً استأثر باهتمام الرأي العام الوطني. فبعد سنوات من الجدل الشعبي والرفض المجتمعي لـ”ساعة العثماني”، جاء التخلي عنها ليرخي بظلاله على مشهد سياسي واجتماعي محتقن، يغلي على صفيح التضخم وغلاء المعيشة. ومع أن القرار تُلُقِّيَ بنوع من الارتياح، إلا أنه يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود التفاعل الحكومي مع المطالب الحقيقية للمواطنين: هل يعكس القرار وعياً بنبض الشارع، أم أنه مجرد خطوة تقنية أملتها حسابات أخرى؟

 

من الناحية الموضوعية، لا يمكن عزل قرار العودة إلى التوقيت القانوني للمملكة عن خلاصات تقنية وصحية تراكمت على مكاتب صناع القرار؛ فالتقارير الطبية والتربوية لم تتوقف عن التحذير من الكلفة النفسية والجسدية للتوقيت الصيفي على التلاميذ والشغيلة، فضلاً عن تراجع العائد الطاقي المتوقع في ظل التحول نحو الطاقات المتجددة، فضلاً عن ضرورة التناغم مع الشركاء الأوروبيين الذين يفرزون نقاشاً مماثلاً. لكن، في المقابل، يرى الكثير من المتتبعين أن التوقيت الزمني، على أهميته، لم يكن يوماً هو الهاجس الأكبر الذي يؤرق بال الأسر المغربية.

إن النبض الحقيقي للشارع المغربي لا يتنفس عبر عقارب الساعة، بل عبر المؤشرات المعيشية اليومية؛ فالأولويات الحارقة اليوم تتلخص في حماية القدرة الشرائية من موجات غلاء الأسعار المستمرة التي طالت المواد الغذائية والأساسية، وفي رفع الحد الأدنى للأجور بشكل حقيقي يتناسب مع واقع السوق. وتظل معضلة بطالة الشباب، لاسيما حاملي الشهادات، التحدي الأكبر الذي يسائل نجاعة برامج التشغيل المؤقتة، وسط مطالبات ملحة بالشفافية وتكافؤ الفرص في مباريات التوظيف ومحاربة الزبونية.

 

علاوة على ذلك، يرفع المواطنون في المداشر والمناطق الجبلية شعارات تعكس عمق الفجوة المجالية؛ ففي أقاليم كأزيلال وميدلت وغيرها، لا تزال المطالب الأساسية تدور حول تعبيد الطرق، وتوفير الماء الصالح للشرب، وإصلاح المستشفيات العمومية وتوفير الأدوية تحت شعار “الصحة أولاً”، تزامناً مع الحاجة لتجويد منظومة التعليم العمومي لضمان مصعد اجتماعي حقيقي لأبناء الشعب.

وفي ظل هذا الزخم من الانتظارات، يبرز نقاش مجتمعي حاد حول أولويات الإنفاق العمومي؛ إذ يتساءل فاعلون حقوقيون ونقابيون عن الجدوى من تخصيص ميزانيات ضخمة للمشاريع الرياضية الكبرى والأحداث الدولية مثل المونديال، في وقت تعاني فيه الخدمات الاجتماعية الأساسية من خصاص مهول، وأمام شروط معقدة وعتبات استحقاق تقصي فئات واسعة من الاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر عبر البوابة الإلكترونية.

إن محاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المؤسسات والأحزاب، وتوسيع تمثيلية الشباب والنساء، وضمان الحق في التعبير السلمي، هي الركائز الحقيقية لبناء الثقة بين المواطن والدولة.ختاماً، إن إلغاء الساعة الإضافية، وإن كان خطوة إيجابية أنهت ارتباكاً مجتمعياً طويلاً، لا ينبغي أن يُنظر إليه كإنجاز سياسي يغطي على الأزمات الهيكلية؛ فالشارع المغربي لا ينتظر فقط تعديل التوقيت، بل ينتظر تعديل السياسات الاقتصادية والاجتماعية برمتها.

والرهان الحقيقي أمام الحكومة اليوم هو نقل نفس “الجرأة والحسم” التي دبرت بها ملف الساعة، إلى ملفات محاربة الغلاء، وتوفير الشغل، وصون كرامة المواطن. فالأمن الاجتماعي لا يُقاس بضبط عقارب الساعة، بل بضبط مؤشرات العدالة وتكافؤ الفرص.

 

ختاماً، يجب على المسؤول السياسي أن يدرك جيداً أن الاستقرار الاجتماعي لا يُصنع بمسكّنات مؤقتة، وأن أمن المواطن المعيشي لا يتحقق بمجرد تدوير عقارب الساعة. إن إلغاء الساعة الإضافية، وإن كان خطوة إيجابية، يضع الحكومة اليوم أمام اختبار حقيقي للمصداقية؛ فالشارع الذي يطالب بخفض الأسعار، وتوفير الشغل، ومحاربة الفساد، لن يقبل بـ’تأجيل’ الملفات الحارقة تحت ذريعة مشاريع المونديال أو الحسابات التقنية. الكلمة الآن لصناع القرار: إما نقل نفس ‘السرعة والحسم’ الإداري إلى جيوب المواطنين وصحتهم وتعليمهم، أو مواجهة اتساع فجوة أزمة الثقة التي لن يرممها تعديل زمني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.