الانتخابات التشريعية 2026.. هل يتحالف «البيجيدي» مع «البام»؟
متابعة: هيئة ___التحرير.
على امتداد سنوات، شكلت العلاقة بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة واحدة من أكثر فصول الصراع السياسي حضوراً في المشهد الحزبي المغربي. مواجهة سياسية لم تقتصر على اختلاف البرامج والمواقف، بل امتدت في مناسبات عديدة إلى خطابات وتصريحات حادة بين قيادات الحزبين، وكان عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، من أبرز الوجوه التي خاضت هذا السجال السياسي في مواجهة حزب الأصالة والمعاصرة وقياداته.
اليوم، وبعد إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر، تبدو المعادلة السياسية مختلفة. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعداً، ليجد نفسه في موقع متقدم ضمن المشهد البرلماني الجديد، بينما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً، وهي أرقام تفتح الباب أمام أسئلة جديدة حول شكل العلاقات والتحالفات التي قد تفرزها المرحلة المقبلة.
السؤال هنا لا يتعلق فقط بالأرقام، وإنما بما يمكن أن تفرضه الخريطة البرلمانية الجديدة من حسابات سياسية. فالأحزاب التي خاضت الانتخابات في مواجهة بعضها البعض تجد نفسها، بعد إعلان النتائج، أمام واقع مختلف تحكمه تركيبة مجلس النواب والحاجة إلى بناء أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة وممارسة العمل التشريعي.
وبالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية، فإن حصوله على 54 مقعداً يضعه أمام خيارات سياسية متعددة، من بينها موقع المعارضة، أو الدخول في مشاورات بشأن الأغلبية إذا ما طُرحت عليه إمكانية المشاركة. وفي المقابل، فإن تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للنتائج يجعله طرفاً أساسياً في المشاورات السياسية المقبلة، في إطار المساطر الدستورية والقانونية التي ستحدد طبيعة المرحلة القادمة.
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق المتابعة: هل يمكن أن تنتقل العلاقة بين «البيجيدي» و«البام» من سنوات المواجهة السياسية إلى مرحلة من التفاوض والحوار حول البرامج والمصالح المشتركة؟ وهل تستطيع الحسابات الجديدة التي أفرزتها صناديق الاقتراع أن تعيد ترتيب مواقف سبق أن بدت، في مراحل سابقة، شديدة التباعد؟
ليس في السياسة ما يجعل الخصومة الانتخابية بالضرورة حاجزاً دائماً أمام الحوار المؤسساتي. فالممارسة البرلمانية تقوم، في جانب منها، على التفاوض والتوافق حول القوانين والسياسات العمومية، كما أن تشكيل الأغلبية الحكومية يخضع في النهاية لحسابات عددية وسياسية وبرنامجية.
لكن الانتقال من خطاب المعارضة والمواجهة إلى المشاركة في تدبير الشأن الحكومي، إن حدث، لن يكون مسألة بسيطة، خصوصاً بالنسبة إلى حزب العدالة والتنمية الذي بنى خلال سنوات جانباً من خطابه السياسي على انتقاد حزب الأصالة والمعاصرة ومواجهته.
وفي المقابل، فإن أي تقارب محتمل بين الطرفين سيكون بحاجة إلى أرضية سياسية واضحة، وبرنامج متوافق عليه، وترتيبات تضمن لكل طرف موقعه داخل الأغلبية، إذا ما انتهت المشاورات إلى هذا الاتجاه. أما استمرار التباعد واختيار المعارضة، فيبقى بدوره خياراً سياسياً قائماً وفقاً لما ستقرره قيادة الحزب ومؤسساته.
لذلك، فإن نتائج 23 شتنبر لا تقدم فقط أرقاماً جديدة لخريطة مجلس النواب، وإنما تفتح أيضاً مرحلة مختلفة في العلاقات بين الأحزاب السياسية. وما كان يبدو خلال سنوات صراعاً سياسياً مفتوحاً بين «البام» و«البيجيدي» أصبح اليوم أمام اختبار جديد تفرضه نتائج صناديق الاقتراع وحسابات تشكيل الأغلبية.
وفي النهاية، لا يمكن حسم طبيعة العلاقة المقبلة بين الحزبين من خلال التصريحات السابقة وحدها، كما لا يمكن افتراض أن نتائج الانتخابات تقود تلقائياً إلى تحالف أو قطيعة. الكلمة الفصل ستظل لما ستفرزه المشاورات السياسية المقبلة، ولما ستقرره المؤسسات الحزبية، وللبرنامج الذي يمكن أن يشكل أساساً لأي أغلبية حكومية.
وهكذا، يبدو أن انتخابات 23 شتنبر لم تُعد رسم الخريطة البرلمانية فحسب، بل وضعت أيضاً عدداً من العلاقات السياسية القديمة أمام مرحلة جديدة عنوانها: هل تنتصر ذاكرة الخصومة، أم تفرض الحسابات الجديدة منطقاً سياسياً مختلفاً؟