الله يخرج سربيسنا على خير!

0 17

ةبقلم: أبـــو_____الآء.

 

يبدو أن السياسة عندنا ما زالت تحتفظ ببعض المفاجآت التي لا تستطيع حتى أكثر السيناريوهات خيالاً أن تتوقعها. بالأمس القريب، كانت البلاد منشغلة بمشاورات تشكيل الحكومة، وتوزيع الحقائب الوزارية، والبحث عن التوليفة التي ستقود المرحلة المقبلة. واليوم، لم يكد المواطنون يستوعبون أسماء الوزراء الجدد حتى وجدوا أنفسهم أمام أول امتحان حقيقي لعملية الاختيار: وزيرة تُعيّن يوم الجمعة، ويُقبل طلب إعفائها يوم الأحد. وهنا لا نملك إلا أن نقول: الله يخرج سربيسنا على خير!

 

المشكل ليس في أن يقع الخطأ، فكل عمل بشري معرض للخطأ، ولا أحد يطالب المسؤولين بعلم الغيب أو بقراءة ما تخفيه الملفات في المستقبل. المشكل الحقيقي هو أن يصل الأمر إلى التعيين الرسمي، ثم تظهر معطيات كان من المفترض أن تكون موضوع تدقيق وتمحيص قبل أن يوضع اسم صاحبها في لائحة الحكومة.

 

فحين يتعلق الأمر بمسؤولية حكومية، نحن لا نتحدث عن مباراة لتوظيف عون إداري، ولا عن اختيار عضو في مكتب جمعية محلية. نحن أمام مسؤولية عامة، وقطاعات ترتبط بمستقبل الشباب وتكوينهم وفرص شغلهم. ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس من أسقط الوزيرة، ولا من سرّب أخبار ملفها، بل سؤال أبسط وأعمق: أين كانت آليات التحقق قبل التعيين؟

 

ولكي نكون منصفين، فإن بلاغ الإعفاء أعلن قبول طلب رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بينما ربطت تقارير إعلامية الواقعة بقضية قديمة قيل إن الوزيرة المعفاة توبعت فيها سنة 2004. لكن من واجب الصحافة أن تميز بين ما ورد في البلاغ الرسمي وما أوردته التقارير الإعلامية، وأن تترك للوقائع والوثائق والكلمة القانونية الأخيرة أن تقول كلمتها. فالنقد المسؤول لا يحتاج إلى التشهير، والشفافية لا تعني تحويل كل ما يُتداول إلى حقيقة نهائية.

 

ومع ذلك، فإن الإشكال السياسي والمؤسساتي قائم، حتى قبل الخوض في تفاصيل القضية: كيف يمكن لتشكيلة حكومية أن تبلغ مرحلة التعيين، ثم تضطر إلى تصحيح اسم بعد يومين فقط؟ ومن يتحمل مسؤولية مراجعة الملفات والسير الذاتية والتأكد من المعطيات ذات الصلة بالنزاهة والأهلية قبل رفع الأسماء؟

 

إن فاطمة الزهراء المنصوري، وهي تدخل تجربة رئاسة الحكومة في ظرف سياسي واجتماعي حساس، كانت أمام مهمة صعبة منذ البداية. فالمشاورات لم تكن نزهة عابرة، بل مفاوضات حول الأغلبية والحقائب والبرنامج الحكومي. وقد كشف إدريس لشكر، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، أن التفاوض حول هيكلة الحكومة والحقائب استغرق نقاشاً، وتحدث عن مطالب حزبه بقطاعات من بينها المالية والفلاحة والتجهيز. وانتهت المشاورات إلى أغلبية تضم أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.

 

هذه التفاصيل تبيّن أن تشكيل الحكومة عملية سياسية معقدة، وأن لكل حزب حساباته وأولوياته. لكن صعوبة المفاوضات لا يمكن أن تكون مبرراً للتساهل في التدقيق، كما أن ضغط الوقت لا يعفي أي طرف من مسؤولية تقديم أسماء تستوفي شروط الأهلية والنزاهة. فالحقائب قد تكون موضوع تفاوض سياسي، أما الثقة العامة فلا ينبغي أن تكون موضوع مساومة.

 

ثم إن المغاربة لم يعودوا ينظرون إلى التعيينات الحكومية باعتبارها مجرد أسماء تتبادل المواقع والكراسي. المواطن الذي يواجه الغلاء، والأب الذي يبحث عن تكوين جيد لابنه، والشاب الذي ينتظر فرصة شغل، كل هؤلاء يريدون أن يعرفوا ماذا ستفعل الحكومة من أجلهم. لا يهمهم كثيراً كم استغرق توزيع الحقائب، ولا كم اجتماعاً عُقد في الكواليس، بقدر ما يهمهم أن تصل إلى المسؤولية كفاءات قادرة على الإنجاز، وأن تكون لديها سجلات واضحة لا تثير أسئلة كان بالإمكان تفاديها.

 

ومن هنا، لا بد من التوقف عند ملف آخر أثار نقاشاً واسعاً في البلاد: دعم استيراد المواشي، الذي اشتهر في النقاش العام باسم ملف «الفراقشية». فقد تحدثت المعارضة عن استفادة عشرة برلمانيين من دعم الاستيراد، وطالبت بتوضيحات حول شروط الاستفادة والرقابة على المال العام. وهذه معطيات تستوجب النقاش والتحقق، لكنها لا تسمح لنا بالقفز إلى استنتاج أن وزيراً بعينه استفاد من الدعم من دون وثائق تثبت ذلك.

 

وهنا بيت القصيد: لسنا بحاجة إلى توزيع الاتهامات حتى نضع الإصبع على الجرح. يكفي أن نسأل عن معايير الاستفادة، وأسماء المستفيدين المنشورة رسمياً، وعلاقة المصالح المحتملة بالمسؤولية العامة، ونتائج المراقبة والمحاسبة. وإذا كانت هناك استفادة غير مشروعة أو تضارب مصالح، فالمطلوب أن تكشفه الوثائق والجهات المختصة، لا أن تحسمه الإشاعة.

 

فالمغاربة يريدون جواباً واضحاً عن سؤالين متلازمين: كيف يُصرف المال العام؟ وكيف يُختار من يُدبّر هذا المال؟ ولا يمكن بناء الثقة في المؤسسات إذا ظل المواطن يسمع عن الدعم من جهة، وعن صعوبة عيشه من جهة أخرى، من دون أن يجد معطيات مفصلة تشرح من استفاد، وفق أي شروط، وما النتائج التي تحققت.

 

ولعل الدرس الأهم من واقعة الإعفاء هو أن تدبير الشأن العام لا يحتمل منطق «عيّن عاد قلّب». فالتدقيق ليس ترفاً إدارياً، والتحقق ليس إجراءً شكلياً، والنزاهة ليست جملة جميلة تُكتب في بلاغات تشكيل الأغلبية ثم تُترك للاختبار بعد وقوع المشكلة. إنها شروط أساسية ينبغي أن تسبق التعيين، وأن تستمر بعده من خلال المراقبة والمساءلة.

 

أما الأحزاب التي تقدم مرشحيها للمسؤولية الحكومية، فعليها أن تتحمل نصيبها من المسؤولية. فليس كافياً أن يكون المرشح منتمياً إلى الحزب، أو أن يكون صاحب موقع تنظيمي، أو أن ينجح في ميزان التوافقات السياسية. المطلوب أن تكون لديه الكفاءة اللازمة، وأن يخضع ملفه للتدقيق المناسب، وأن يكون مستعداً للمساءلة عن قراراته وأدائه.

 

ولا ينبغي أن تتحول هذه الواقعة إلى محاكمة جماعية للحكومة الجديدة قبل أن تبدأ عملها، كما لا يجوز التقليل من أهميتها بدعوى أنها مجرد خطأ عابر. الإنصاف يقتضي أن نمنح المسؤولين فرصة للعمل، والمحاسبة تقتضي أن نسأل عن الأخطاء حين تقع. وبين الأمرين توجد صحافة مسؤولة لا تجامل، ولا تشهّر، ولا تبيع للقراء أحكاماً جاهزة.

 

إن المغاربة لا ينتظرون حكومة معصومة من الخطأ، بل حكومة تعرف كيف تتفادى الأخطاء الممكن تفاديها، وكيف تصحح ما يقع منها بشفافية، وكيف تجعل المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة. وإذا كانت أولى محطات المرحلة الجديدة قد كشفت خللاً في مسار الاختيار، فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بإغلاق الملف بإعفاء، بل مراجعة المساطر التي سمحت بوصوله إلى تلك المرحلة.

 

وفي انتظار ذلك، يبقى لسان حال المواطن المغربي بسيطاً، لكنه يلخص الكثير: الله يخرج سربيسنا على خير! فالمطلوب ليس أن تمر الحكومة من امتحان التعيينات بسلام فقط، بل أن تمر من امتحان الثقة، وأن تثبت أن المال العام أمانة، والمنصب مسؤولية، وأن الاختيار الجيد يبدأ قبل التعيين، لا بعد أول أزمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.