الوزير والمنتدب في قطاع واحد.. تدبير للنجاعة أم توزيع للمقاعد؟
متابعة: بوجندار______ عزالدين.
المقال الأربعين بعد أربعمائة من سلسلة من قاع الخابية بعنوان: تخمة “الوزراء المنتدبين”.. هندسة استراتيجية أم ترضيات على حساب جيوب المواطنين؟
أثار الإعلان عن الهيكلة البنيوية لـ الحكومة المغربية الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، نقاشاً مجتمعياً وإعلامياً واسعاً تجاوز حدود الترحيب بالدماء الجديدة والحدث التاريخي المتمثل في قيادة امرأة للجهاز التنفيذي. النقاش هذه المرة يمس جوهر التدبير الإداري وكلفة التسيير، لاسيما بعد تنصيب تشكيلة فضفاضة تضم 32 عضواً، من بينهم 11 وزيراً منتدباً؛ وهي الهندسة التي دفعت الشارع المحلي ومراقبي الشأن العام إلى التساؤل الملحّ: ما هي الغاية الفعلية من خلق منصب “وزير” و”وزير منتدب” داخل قطاع وزاري واحد؟
يطرح الاعتماد المتزايد على صيغة “الوزراء المنتدبين” لدى وزراء أصليين إشكاليات إدارية حقيقية تتعلق بمدى التداخل في الاختصاصات والالتقائية الوظيفية. ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تتوجه السياسات العمومية نحو ضغط النفقات وترشيد وعاء ميزانية التسيير، يرى منتقدون أن إسناد قطاعات حيوية كالتجارة الخارجية، أو الصيد البحري، أو التكوين المهني لوزراء منتدبين يحمل مفارقة تدبيرية؛ إذ يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان الهدف هو تقسيم تقني عقلاني للملفات الكبرى، أم أنه مجرد “توزيع للمواقع والمقاعد” لضمان انسجام الأغلبية الرباعية الحاكمة.
الاستنكار الشعبي المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي لا ينطلق من فراغ، بل من قراءة محاسباتية بسيطة ومباشرة للحقائب المستحدثة:
• الدواوين والملحقات: كل حقيبة وزارية منتدبة لا تعني فقط تعيين مسؤول، بل تعني حزمة متكاملة من النفقات تشمل إحداث ديوان جديد، مستشارين، مكلفين بالدراسات، وسيارات مصلحة.
• مصاريف التسيير: يرى المراقبون الاقتصاديون أن هذه الكلفة الإضافية تقع مباشرة على كاهل ميزانية الدولة وتستنزف مالية كان الأجدر أن توجَّه لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، أو الاستثمار في قطاعات محرومة كالصحة والتعليم والتشغيل.
• شبهات الارتجالية: الجدل زاد حدة مع تداول السرعة القياسية لإعفاءات معينة عقب التعيين بيومين فقط، مثل طلب إعفاء الوزيرة المنتدبة المكلفة بالتكوين المهني ماديحة خيير، مما يعيد إلى الواجهة التساؤلات حول معايير الانتقاء الأولي ومدى تسرع الأحزاب في تقديم الأسماء.
في المقابل، يدافع صناع القرار والدوائر القريبة من رئاسة الحكومة عن هذه الهيكلة باعتبارها ضرورة تفرضها ضخامة الملفات الاستراتيجية الملقاة على عاتق الدولة في أفق سنة 2030 (تنظيم كأس العالم، تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، ومشاريع البنية التحتية الكبرى)، مؤكدين أن وجود وزير منتدب متفرغ لقطاع فرعي دقيق (مثل الذكاء الاصطناعي أو الاقتصاد التضامني) من شأنه تسريع وثيرة الإنجاز والرفع من مردودية الإدارة.
لكن هذا الخطاب التبريري يصطدم بواقع “التخمة العددية” التي تجعل المواطن البسيط يشعر بوجود فجوة واسعة بين تطلعاته الاجتماعية المتمثلة في محاربة الغلاء وضمان الكرامة، وبين لغة التعيينات الرسمية التي تبدو في عيون الكثيرين كأداة لتوزيع المناصب وتكريس “الريع السياسي والمؤسساتي”.
إن الرهان الحقيقي الملقى اليوم على عاتق حكومة فاطمة الزهراء المنصوري ليس في الدفاع النظري عن جدوى حقائبها، بل في تقديم حصيلة ملموسة تُثبت للرأي العام أن هؤلاء الوزراء المنتدبين يشكلون “قيمة مضافة” للاقتصاد الوطني والتنمية، وليس عبئاً مالياً إضافياً على كاهل دافعي الضرائب. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى هذا النموذج التدبيري محط مساءلة شعبية صريحة تقودها القاعدة الدستورية الذهبية: “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
وفي الختام، يبقى المحك الحقيقي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ليس في تبرير هندستها الفضفاضة، بل في مدى قدرتها على تقديم إجابات ميدانية ملموسة لانتظارات المغاربة؛ وفي مقدمتها كبح جماح الغلاء الحارق، وإنهاء مسلسل الوعود والشعارات المستهلكة من قبيل “القادم أفضل”، بجانب الحسم الفعلي في الملفات الاستراتيجية المعطلة كإعادة تشغيل مصفاة “لاسامير” لتأمين السيادة الطاقية وخفض الأسعار. فهل ستنجح هذه التشكيلة الموسعة في تخفيف وطأة الأزمة الاجتماعية المعيشية، أم أن تخمة الحقائب ستعمق الفجوة بين لغة التدبير الحكومي وواقع جيوب المواطنين؟